تفسير الطبري

سورة عبس الآية ٢٥

أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَآءَ صَبًّۭا ﴿٢٥﴾
وَقَوْله : { أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا } يَقُول : أَنَّا أَنْزَلْنَا الْغَيْث مِنْ السَّمَاء إِنْزَالًا , وَصَبَبْنَاهُ عَلَيْهَا صَبًّا .
إنا صببنا الماء على الأرض صبا,
فليتدبر الإنسان: كيف خلق الله طعامه الذي هو قوام حياته؟ أنَّا صببنا الماء على الأرض صَبًّا، ثم شققناها بما أخرجنا منها من نبات شتى، فأنبتنا فيها حبًا، وعنبًا وعلفًا للدواب، وزيتونًا ونخلا وحدائق عظيمة الأشجار، وثمارًا وكلأ تَنْعَمون بها أنتم وأنعامكم.
" أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء " مِنْ السَّحَاب " صَبًّا "
أَيْ أَنْزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاء عَلَى الْأَرْض .
قِرَاءَة الْعَامَّة " إِنَّا " بِالْكَسْرِ , عَلَى الِاسْتِئْنَاف , وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ وَرُوَيْس عَنْ يَعْقُوب " أَنَّا " بِفَتْحِ الْهَمْزَة , فَـ " أَنَّا " فِي مَوْضِع خَفْض عَلَى التَّرْجَمَة عَنْ الطَّعَام , فَهُوَ بَدَل مِنْهُ ; كَأَنَّهُ قَالَ : " فَلْيَنْظُرْ الْإِنْسَان إِلَى طَعَامه " إِلَى " أَنَّا صَبَبْنَا " فَلَا يَحْسُن الْوَقْف عَلَى " طَعَامه " مِنْ هَذِهِ الْقِرَاءَة . وَكَذَلِكَ إِنْ رَفَعْت " أَنَّا " بِإِضْمَارِ هُوَ أَنَّا صَبَبْنَا ; لِأَنَّهَا فِي حَال رَفْعِهَا مُتَرْجِمَة عَنْ الطَّعَام . وَقِيلَ : الْمَعْنَى : لِأَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء , فَأَخْرَجْنَا بِهِ الطَّعَام , أَيْ كَذَلِكَ كَانَ . وَقَرَأَ الْحُسَيْن بْن عَلِيّ " أَنَّى " فَقَالَ , بِمَعْنَى كَيْف ؟ فَمَنْ أَخَذَ بِهَذِهِ الْقِرَاءَة قَالَ : الْوَقْف عَلَى " طَعَامه " تَامّ . وَيُقَال : مَعْنَى " أَنَّى " أَيْنَ , إِلَّا أَنَّ فِيهَا كِنَايَة عَنْ الْوُجُوه ; وَتَأْوِيلهَا : مِنْ أَيّ وَجْه صَبَبْنَا الْمَاء ; قَالَ الْكُمَيْت : أَنَّى وَمِنْ أَيْنَ آبَك الطَّرَب مِنْ حَيْثُ لَا صَبْوَة وَلَا رِيَب " صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا " : يَعْنِي الْغَيْث وَالْأَمْطَار .
مشاركة الموضوع