تفسير الطبري

سورة النازعات الآية ٣

وَٱلسَّٰبِحَٰتِ سَبْحًۭا ﴿٣﴾
وَقَوْله : { وَالسَّابِحَات سَبْحًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَاَللَّوَاتِي تُسَبِّح سَبْحًا . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الَّتِي أَقْسَمَ بِهَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ مِنْ السَّابِحَات , فَقَالَ بَعْضهمْ : هِيَ الْمَوْت تُسَبِّح فِي نَفْس اِبْن آدَم . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 28037 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا وَكِيع , عَنْ سُفْيَان , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { وَالسَّابِحَات سَبْحًا } قَالَ : الْمَوْت , هَكَذَا وَجَدْته فِي كِتَابِي وَقَدْ : * - حَدَّثَنَا بِهِ اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا مَهْرَان , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { وَالسَّابِحَات سَبْحًا } قَالَ : الْمَلَائِكَة , وَهَكَذَا وَجَدْت هَذَا أَيْضًا فِي كِتَابِي . فَإِنْ يَكُنْ مَا ذَكَرْنَا عَنْ اِبْن حُمَيْد صَحِيحًا , فَإِنَّ مُجَاهِدًا كَانَ يَرَى أَنَّ نُزُول الْمَلَائِكَة مِنْ السَّمَاء سَبَّاحَة , كَمَا يُقَال لِلْفَرَسِ الْجَوَاد : إِنَّهُ لَسَابِح إِذَا مَرَّ يُسْرِع . وَقَالَ آخَرُونَ : هِيَ النُّجُوم تُسَبِّح فِي فَلَكهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 28038 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَالسَّابِحَات سَبْحًا } قَالَ : هِيَ النُّجُوم . * - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , مِثْله . وَقَالَ آخَرُونَ : هِيَ السُّفُن . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 28039 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا وَكِيع , عَنْ وَاصِل بْن السَّائِب , عَنْ عَطَاء { وَالسَّابِحَات سَبْحًا } قَالَ : السُّفُن . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَقْسَمَ بِالسَّابِحَاتِ سَبْحًا مِنْ خَلْقه , وَلَمْ يُخَصِّص مِنْ ذَلِكَ بَعْضًا دُون بَعْض , فَذَلِكَ كُلّ سَابِح , لِمَا وَصَفْنَا قَبْل فِي " النَّازِعَات " .
والملائكة التي تسبح في نزولها من السماء وصعودها إليها,
أقسم الله تعالى بالملائكة التي تنزع أرواح الكفار نزعا شديدا، والملائكة التي تقبض أرواح المؤمنين بنشاط ورفق، والملائكة التي تَسْبَح في نزولها من السماء وصعودها إليها، فالملائكة التي تسبق وتسارع إلى تنفيذ أمر الله، فالملائكة المنفذات أمر ربها فيما أوكل إليها تدبيره من شؤون الكون -ولا يجوز للمخلوق أن يقسم بغير خالقه، فإن فعل فقد أشرك- لتُبعثَنَّ الخلائق وتُحَاسَب، يوم تضطرب الأرض بالنفخة الأولى نفخة الإماتة، تتبعها نفخة أخرى للإحياء.
" وَالسَّابِحَات سَبْحًا " الْمَلَائِكَة تَسْبَح مِنْ السَّمَاء بِأَمْرِهِ تَعَالَى , أَيْ تَنْزِل
فَقَالَ اِبْن مَسْعُود هِيَ الْمَلَائِكَة وَرُوِيَ عَنْ عَلِيّ وَمُجَاهِد وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَأَبِي صَالِح مِثْل ذَلِكَ وَعَنْ مُجَاهِد " وَالسَّابِحَات سَبْحًا " الْمَوْت وَقَالَ قَتَادَة هِيَ النُّجُوم وَقَالَ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح هِيَ السُّفُن.
قَالَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : هِيَ الْمَلَائِكَة تَسْبَح بِأَرْوَاحِ الْمُؤْمِنِينَ . الْكَلْبِيّ : هِيَ الْمَلَائِكَة تَقْبِض أَرْوَاح الْمُؤْمِنِينَ , كَاَلَّذِي يَسْبَح فِي الْمَاء , فَأَحْيَانًا يَنْغَمِس وَأَحْيَانًا يَرْتَفِع , يَسُلُّونَهَا سَلًّا رَفِيقًا بِسُهُولَةٍ , ثُمَّ يَدَعُونَهَا حَتَّى تَسْتَرِيح . وَقَالَ مُجَاهِد وَأَبُو صَالِح : هِيَ الْمَلَائِكَة يَنْزِلُونَ مِنْ السَّمَاء مُسْرِعِينَ لِأَمْرِ اللَّه , كَمَا يُقَال لِلْفَرَسِ الْجَوَاد سَابِح : إِذَا أَسْرَعَ فِي جَرْيه . وَعَنْ مُجَاهِد أَيْضًا : الْمَلَائِكَة تَسْبَح فِي نُزُولهَا وَصُعُودهَا . وَعَنْهُ أَيْضًا : السَّابِحَات : الْمَوْت يَسْبَح فِي أَنْفُس بَنِي آدَم . وَقِيلَ : هِيَ الْخَيْل الْغُزَاة ; قَالَ عَنْتَرَة : وَالْخَيْل تَعْلَم حِين تَسْ بَحُ فِي حِيَاض الْمَوْت سَبْحَا وَقَالَ اِمْرُؤُ الْقَيْس : مِسَحَّ إِذَا مَا السَّابِحَات عَلَى الْوَنَى أَثَرْنَ غُبَارًا بِالْكَدِيدِ الْمُرَكَّل قَتَادَة وَالْحَسَن : هِيَ النُّجُوم تَسْبَح فِي أَفْلَاكِهَا , وَكَذَا الشَّمْس وَالْقَمَر ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " كُلٌّ فِي فَلَك يَسْبَحُونَ " . عَطَاء : هِيَ السُّفُن تَسْبَح فِي الْمَاء . اِبْن عَبَّاس : السَّابِحَات أَرْوَاح الْمُؤْمِنِينَ تَسْبَح شَوْقًا إِلَى لِقَاء اللَّه وَرَحْمَته حِين تَخْرُج .
مشاركة الموضوع