تفسير الطبري

سورة المرسلات الآية ٢٦

أَحْيَآءًۭ وَأَمْوَٰتًۭا ﴿٢٦﴾
{ أَحْيَاء } تُوَارِيه { وَأَمْوَاتًا } يُدْفَنُونَ : تَكْفِتهُمْ وَقَدْ : * - حَدَّثَنِي بِهِ اِبْن حُمَيْد مَرَّة أُخْرَى , فَقَالَ : ثَنَا مَهْرَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ عُثْمَان بْن الْأَسْوَد , عَنْ مُجَاهِد { أَلَمْ نَجْعَل الْأَرْض كِفَاتًا } قَالَ : تَكْفِت أَذَاهُمْ وَمَا يَخْرُج مِنْهُمْ { أَحْيَاء وَأَمْوَاتًا } قَالَ : تَكْفِتهُمْ فِي الْأَحْيَاء وَالْأَمْوَات . 27855 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَا : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { أَلَمْ نَجْعَل الْأَرْض كِفَاتًا أَحْيَاء وَأَمْوَاتًا } قَالَ : أَحْيَاء يَكُونُونَ فِيهَا . قَالَ مُحَمَّد بْن عَمْرو : يُغَيِّبُونَ فِيهَا مَا أَرَادُوا , وَقَالَ الْحَارِث . وَيُغَيِّبُونَ فِيهَا مَا أَرَادُوا . وَقَوْله : { أَحْيَاء وَأَمْوَاتًا } قَالَ : يُدْفَنُونَ فِيهَا . 27856 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { أَلَمْ نَجْعَل الْأَرْض كِفَاتًا أَحْيَاء وَأَمْوَاتًا } يَسْكُن فِيهَا حَيّهمْ , وَيُدْفَن فِيهَا مَيِّتهمْ . * - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { أَحْيَاء وَأَمْوَاتًا } قَالَ : أَحْيَاء فَوْقهَا عَلَى ظَهْرهَا , وَأَمْوَاتًا يُقْبَرُونَ فِيهَا . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي الَّذِي نَصَبَ { أَحْيَاء وَأَمْوَاتًا } فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة : نُصِبَ عَلَى الْحَال . وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة : بَلْ نُصِبَ ذَلِكَ بِوُقُوعِ الْكِفَّات عَلَيْهِ , كَأَنَّك قُلْت : أَلَمْ نَجْعَل الْأَرْض كِفَات أَحْيَاء وَأَمْوَات , فَإِذَا نَوَّنْت نَصَبْت كَمَا يَقْرَأ مَنْ يَقْرَأ : { أَوْ إِطْعَام فِي يَوْم ذِي مَسْغَبَة يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَة } وَهَذَا الْقَوْل أَشْبَه عِنْدِي بِالصَّوَابِ .
ألم نجعل هذه الأرض التي تعيشون عليها، تضم على ظهرها أحياء لا يحصون، وفي بطنها أمواتًا لا يحصرون، وجعلنا فيها جبالا ثوابت عاليات؛ لئلا تضطرب بكم، وأسقيناكم ماءً عذبًا سائغًا؟
"أَحْيَاء" عَلَى ظَهْرهَا "وَأَمْوَاتًا" فِي بَطْنهَا
وَقَالَ مُجَاهِد يُكْفَت الْمَيِّت فَلَا يُرَى مِنْهُ شَيْء وَقَالَ الشَّعْبِيّ بَطْنهَا لِأَمْوَاتِكُمْ وَظَهْرهَا لِأَحْيَائِكُمْ .
رُوِىَ عَنْ رَبِيعَة فِي النَّبَّاش قَالَ تُقْطَع يَده فَقِيلَ لَهُ : لِمَ قُلْت ذَلِكَ ؟ قَالَ . إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يَقُول : " أَلَمْ نَجْعَلْ الْأَرْض كِفَاتًا أَحْيَاء وَأَمْوَاتًا " فَالْأَرْض حِرْز . وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي سُورَة " الْمَائِدَة " . وَكَانُوا يُسَمُّونَ بَقِيع الْغَرْقَد كَفْتَة ; لِأَنَّهُ مَقْبَرَة تَضُمّ الْمَوْتَى , فَالْأَرْض تَضُمّ الْأَحْيَاء إِلَى مَنَازِلهمْ وَالْأَمْوَات فِي قُبُورهمْ . وَأَيْضًا اِسْتِقْرَار النَّاس عَلَى وَجْه الْأَرْض , ثُمَّ اِضْطِجَاعهمْ عَلَيْهَا , اِنْضِمَام مِنْهُمْ إِلَيْهَا . وَقِيلَ : هِيَ كِفَات لِلْأَحْيَاءِ يَعْنِي دَفْن مَا يَخْرُج مِنْ الْإِنْسَان مِنْ الْفَضَلَات فِي الْأَرْض ; إِذْ لَا ضَمَّ فِي كَوْن النَّاس عَلَيْهَا , وَالضَّمّ يُشِير إِلَى الِاحْتِفَاف مِنْ جَمِيع الْوُجُوه . وَقَالَ الْأَخْفَش وَأَبُو عُبَيْدَة وَمُجَاهِد فِي أَحَد قَوْلَيْهِ : الْأَحْيَاء وَالْأَمْوَات تَرْجِع إِلَى الْأَرْض , أَيْ الْأَرْض مُنْقَسِمَة إِلَى حَيّ وَهُوَ الَّذِي يُنْبِت , وَإِلَى مَيِّت وَهُوَ الَّذِي لَا يُنْبِت . وَقَالَ الْفَرَّاء : اُنْتُصِبَ , " أَحْيَاء وَأَمْوَاتًا " بِوُقُوعِ الْكِفَات عَلَيْهِ ; أَيْ أَلَمْ نَجْعَل الْأَرْض كِفَات أَحْيَاء وَأَمْوَات . فَإِذَا نَوَّنْت نَصَبْت ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْم ذِي مَسْغَبَة . يَتِيمًا " [ الْبَلَد : 14 - 15 ] . وَقِيلَ : نَصْب عَلَى الْحَال مِنْ الْأَرْض , أَيْ مِنْهَا كَذَا وَمِنْهَا كَذَا . وَقَالَ الْأَخْفَش : " كِفَاتًا " جَمْع كَافِتَة وَالْأَرْض يُرَاد بِهَا الْجَمْع فَنُعِتَتْ بِالْجَمْعِ . وَقَالَ الْخَلِيل : التَّكْفِيت : تَقْلِيب الشَّيْء ظَهْرًا لِبَطْنٍ أَوْ بَطْنًا لِظَهْرٍ . وَيُقَال : اِنْكَفَتَ الْقَوْم إِلَى مَنَازِلهمْ أَيْ اِنْقَلَبُوا . فَمَعْنَى الْكِفَات أَنَّهُمْ يَتَصَرَّفُونَ عَلَى ظَهْرِهَا وَيَنْقَلِبُونَ إِلَيْهَا وَيُدْفَنُونَ فِيهَا .
مشاركة الموضوع