تفسير الطبري

سورة الإنسان الآية ٢٢

إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَآءًۭ وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا ﴿٢٢﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : يُقَال لِهَؤُلَاءِ الْأَبْرَار حِينَئِذٍ : إِنَّ هَذَا الَّذِي أَعْطَيْنَاكُمْ مِنْ الْكَرَامَة كَانَ لَكُمْ ثَوَابًا عَلَى مَا كُنْتُمْ فِي الدُّنْيَا تَعْمَلُونَ مِنْ الصَّالِحَات .

يَقُول : كَانَ عَمَلكُمْ فِيهَا مَشْكُورًا , حَمِدَكُمْ عَلَيْهِ رَبّكُمْ , وَرَضِيَهُ لَكُمْ , فَأَثَابَكُمْ بِمَا أَثَابَكُمْ بِهِ مِنْ الْكَرَامَة عَلَيْهِ . 27794 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء وَكَانَ سَعْيكُمْ مَشْكُورًا } غَفَرَ لَهُمْ الذَّنْب , وَشَكَرَ لَهُمْ الْحَسَن . 27795 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : تَلَا قَتَادَة { وَكَانَ سَعْيكُمْ مَشْكُورًا } قَالَ : لَقَدْ شَكَرَ اللَّه سَعْيًا قَلِيلًا .
ويقال لهم, إن هذا أعد لكم مقابل أعمالكم الصالحة, وكان عملكم في الدنيا عند الله مرضيا مقبولا.
ويقال لهم: إن هذا أُعِدَّ لكم مقابل أعمالكم الصالحة، وكان عملكم في الدنيا عند الله مرضيًا مقبولا.
"إن هذا" النعيم
أَيْ يُقَال لَهُمْ ذَلِكَ تَكْرِيمًا لَهُمْ وَإِحْسَانًا إِلَيْهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى " كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّام الْخَالِيَة " وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى " وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمْ الْجَنَّة أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ " وَقَوْله تَعَالَى" وَكَانَ سَعْيكُمْ مَشْكُورًا " أَيْ جَزَاكُمْ اللَّه تَعَالَى عَلَى الْقَلِيل بِالْكَثِيرِ .
" إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء " أَيْ يُقَال لَهُمْ : إِنَّمَا هَذَا جَزَاء لَكُمْ أَيْ ثَوَاب . " وَكَانَ سَعْيكُمْ " أَيْ عَمَلكُمْ " مَشْكُورًا " أَيْ مِنْ قِبَل اللَّه , وَشُكْره لِلْعَبْدِ قَبُول طَاعَته , وَثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ , وَإِثَابَته إِيَّاهُ . وَرَوَى سَعِيد عَنْ قَتَادَة قَالَ : غَفَرَ لَهُمْ الذَّنْب وَشَكَرَ لَهُمْ الْحُسْنَى . وَقَالَ مُجَاهِد : " مَشْكُورًا " أَيْ مَقْبُولًا وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب ; فَإِنَّهُ سُبْحَانه إِذَا قَبِلَ الْعَمَل شَكَرَهُ , فَإِذَا شَكَرَهُ أَثَابَ عَلَيْهِ بِالْجَزِيلِ ; إِذْ هُوَ سُبْحَانه ذُو الْفَضْل الْعَظِيم . رُوِيَ عَنْ اِبْن عُمَر : أَنَّ رَجُلًا حَبَشِيًّا قَالَ : يَا رَسُول اللَّه ! فُضِّلْتُمْ عَلَيْنَا بِالصُّوَرِ وَالْأَلْوَان وَالنُّبُوَّة , أَفَرَأَيْت إِنْ آمَنْت بِمَا آمَنْت بِهِ , وَعَمِلْت بِمَا عَمِلْت , أَكَائِن أَنَا مَعَك فِي الْجَنَّة ؟ قَالَ : ( نَعَمْ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ لَيُرَى بَيَاض الْأَسْوَد فِي الْجَنَّة وَضِيَاؤُهُ مِنْ مَسِيرَة أَلْف عَامٍ ) ثُمَّ قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه كَانَ لَهُ بِهَا عِنْد اللَّه عَهْد , وَمَنْ قَالَ سُبْحَان اللَّه وَالْحَمْد لِلَّهِ كَانَ لَهُ بِهَا عِنْد اللَّه مِائَة أَلْف حَسَنَة وَأَرْبَعَة وَعِشْرُونَ أَلْف حَسَنَة ) , فَقَالَ الرَّجُل : كَيْف نَهْلِك بَعْدهَا يَا رَسُول اللَّه ؟ فَقَالَ : ( إِنَّ الرَّجُل لَيَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة بِالْعَمَلِ لَوْ وَضَعَهُ عَلَى جَبَل لَأَثْقَلَهُ . فَتَجِيء النِّعْمَة مِنْ نِعَم اللَّه فَتَكَاد أَنْ تَسْتَنْفِد ذَلِكَ كُلّه إِلَّا أَنْ يَلْطُف اللَّه بِرَحْمَتِهِ ) . قَالَ : ثُمَّ نَزَلَتْ " هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَان حِين مِنْ الدَّهْر " إِلَى قَوْله : " وَمُلْكًا كَبِيرًا " قَالَ الْحَبَشِيّ : يَا رَسُول اللَّه ! وَإِنَّ عَيْنِيّ لِتَرَى مَا تَرَى عَيْنَاك فِي الْجَنَّة ؟ فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( نَعَمْ ) فَبَكَى الْحَبَشِيّ حَتَّى فَاضَتْ نَفْسه . وَقَالَ اِبْن عُمَر : فَلَقَدْ رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُدْلِيه فِي حُفْرَتِهِ وَيَقُول : " إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء وَكَانَ سَعْيكُمْ مَشْكُورًا " قُلْنَا : يَا رَسُول اللَّه وَمَا هُوَ ؟ قَالَ : ( وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ أَوْقَفَهُ اللَّه ثُمَّ قَالَ أَيْ عَبْدِي لَأُبَيِّضَنَّ وَجْهَك وَلْأُبَوِّئَنَّك مِنْ الْجَنَّة حَيْثُ شِئْت , فَنِعْمَ أَجْر الْعَامِلِينَ ) .
مشاركة الموضوع