تفسير الطبري

سورة القيامة الآية ٢١

وَتَذَرُونَ ٱلْءَاخِرَةَ ﴿٢١﴾
يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِعِبَادِهِ الْمُخَاطَبِينَ بِهَذَا الْقُرْآن الْمُؤْثِرِينَ زِينَة الْحَيَاة الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَة : لَيْسَ الْأَمْر كَمَا تَقُولُونَ أَيّهَا النَّاس مِنْ أَنَّكُمْ لَا تُبْعَثُونَ بَعْد مَمَاتكُمْ , وَلَا تُجَازَوْنَ بِأَعْمَالِكُمْ , لَكِنْ الَّذِي دَعَاكُمْ إِلَى قِيل ذَلِكَ مَحَبَّتكُمْ الدُّنْيَا الْعَاجِلَة , وَإِيثَاركُمْ شَهَوَاتهَا عَلَى آجِل الْآخِرَة وَنَعِيمهَا , فَأَنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالْعَاجِلَةِ , وَتُكَذِّبُونَ بِالْآجِلَةِ , كَمَا : 27619 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَة وَتَذَرُونَ الْآخِرَة } اخْتَارَ أَكْثَر النَّاس الْعَاجِلَة , إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّه وَعَصَمَ.
وتتركون الآخرة ونعيمها.
ليس الأمر كما زعمتم- يا معشر المشركين- أن لا بعث ولا جزاء، بل أنتم قوم تحبون الدنيا وزينتها، وتتركون الآخرة ونعيمها.
"وَتَذَرُونَ الْآخِرَة" فَلَا يَعْمَلُونَ لَهَا
إِنَّهُمْ إِنَّمَا هِمَّتهمْ إِلَى الدَّار الدُّنْيَا الْعَاجِلَة وَهُمْ لَاهُونَ مُتَشَاغِلُونَ عَنْ الْآخِرَة.
"وَتَذَرُونَ " أَيْ تَدَعُونَ " الْآخِرَةَ " وَالْعَمَلَ لَهَا .

وَفِي بَعْض التَّفْسِير قَالَ : الْآخِرَة الْجَنَّة . وَقَرَأَ أَهْل الْمَدِينَة وَالْكُوفِيُّونَ " بَلْ تُحِبُّونَ " " وَتَذَرُونَ " بِالتَّاءِ فِيهِمَا عَلَى الْخِطَاب وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْد ; قَالَ : وَلَوْلَا الْكَرَاهَة لِخِلَافِ هَؤُلَاءِ الْقُرَّاء لَقَرَأْتهَا بِالْيَاءِ ; لِذِكْرِ الْإِنْسَان قَبْلَ ذَلِكَ . الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ عَلَى الْخَبَر , وَهُوَ اِخْتِيَار أَبِي حَاتِم , فَمَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ فَرَدًّا عَلَى قَوْله تَعَالَى : " يُنَبَّأ الْإِنْسَان " [ الْقِيَامَة : 13 ] وَهُوَ بِمَعْنَى النَّاس . وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ فَعَلَى أَنَّهُ وَاجَهَهُمْ بِالتَّقْرِيعِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ أَبْلَغ فِي الْمَقْصُود ; نَظِيره : " إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا " [ الْإِنْسَان : 27 ] .
مشاركة الموضوع