تفسير الطبري

سورة القيامة الآية ١٨

فَإِذَا قَرَأْنَٰهُ فَٱتَّبِعْ قُرْءَانَهُۥ ﴿١٨﴾
وَقَوْله : { فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنه } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيله , فَقَالَ بَعْضهمْ : تَأْوِيله : فَإِذَا أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْك فَاسْتَمِعْ قُرْآنه. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 27611 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور وَابْن أَبِي عَائِشَة , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنِ ابْن عَبَّاس { فَإِذَا قَرَأْنَاهُ } فَإِذَا أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْك { فَاتَّبِعْ قُرْآنه } قَالَ : فَاسْتَمِعْ قُرْآنه . * - حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن وَكِيع , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مُوسَى بْن أَبِي عَائِشَة , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنِ ابْن عَبَّاس { فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنه } فَإِذَا أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْك فَاسْتَمِعْ لَهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : إِذَا تُلِيَ عَلَيْك فَاتَّبِعْ مَا فِيهِ مِنْ الشَّرَائِع وَالْأَحْكَام . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 27612 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس { فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنه } يَقُول : إِذَا تُلِيَ عَلَيْك فَاتَّبِعْ مَا فِيهِ . 27613 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنه } يَقُول اتَّبِعْ حَلَاله , وَاجْتَنِبْ حَرَامه . * - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنه } يَقُول : فَاتَّبِعْ حَلَاله , وَاجْتَنِبْ حَرَامه . 27614 - حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : ثنا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { فَاتَّبِعْ قُرْآنه } يَقُول : اتَّبِعْ مَا فِيهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَاهُ : فَإِذَا بَيَّنَّاهُ فَاعْمَلْ بِهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 27615 - حَدَّثَنَا عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنِ ابْن عَبَّاس قَوْله : { فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنه } يَقُول : اعْمَلْ بِهِ . وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ قَوْل مَنْ قَالَ : فَإِذَا تُلِيَ عَلَيْك فَاعْمَلْ بِهِ مِنْ الْأَمْر وَالنَّهْي وَاتَّبِعْ مَا أُمِرْت بِهِ فِيهِ ; لِأَنَّهُ قِيلَ لَهُ : { إِنَّا عَلَيْنَا جَمْعه } فِي صَدْرك { وَقُرْآنه } وَدَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْله : { وَقُرْآنه } وَقِرَاءَته , فَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ عَنْ مَعْنَى قَوْله : { فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنه }
فإذا قرأه عليك رسولنا جبريل فاستمع لقراءته وأنصت له , ثم اقرأه كما أقرأك إياه,
لا تحرك -أيها النبي- بالقرآن لسانك حين نزول الوحي؛ لأجل أن تتعجل بحفظه، مخافة أن يتفلَّت منك. إن علينا جَمْعه في صدرك، ثم أن تقرأه بلسانك متى شئت. فإذا قرأه عليك رسولنا جبريل فاستمِعْ لقراءته وأنصت له، ثم اقرأه كما أقرأك إياه، ثم إن علينا توضيح ما أشكل عليك فهمه من معانيه وأحكامه.
"فَإِذَا قَرَأْنَاهُ" عَلَيْك بِقِرَاءَةِ جِبْرِيل "فَاتَّبِعْ قُرْآنه" اسْتَمِعْ قِرَاءَته فَكَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَمِع ثُمَّ يَقْرَؤُهُ
" فَإِذَا قَرَأْنَاهُ " أَيْ إِذَا تَلَاهُ عَلَيْك الْمَلَك عَنْ اللَّه تَعَالَى " فَاتَّبِعْ قُرْآنه " أَيْ فَاسْتَمِعْ لَهُ ثُمَّ اِقْرَأْهُ كَمَا أَقْرَأَك .
قَالَ فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ . ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ نَقْرَأَهُ ; قَالَ : فَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيل عَلَيْهِمَا السَّلَام اِسْتَمَعَ , وَإِذَا اِنْطَلَقَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام قَرَأَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا أَقْرَأهُ ; خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ أَيْضًا .

وَنَظِير هَذِهِ الْآيَة قَوْله تَعَالَى : " وَلَا تَعْجَل بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْل أَنْ يُقْضَى إِلَيْك وَحْيه " [ طَه : 114 ] وَقَدْ تَقَدَّمَ وَقَالَ عَامِر الشَّعْبِيّ : إِنَّمَا كَانَ يَعْجَل بِذِكْرِهِ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ مِنْ حُبّه لَهُ , وَحَلَاوَته فِي لِسَانه , فَنُهِيَ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى يَجْتَمِع ; لِأَنَّ بَعْضَهُ مُرْتَبِط بِبَعْضٍ , وَقِيلَ : كَانَ عَلَيْهِ السَّلَام إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْي حَرَّكَ لِسَانَهُ مَعَ الْوَحْي مَخَافَةَ أَنْ يَنْسَاهُ , فَنَزَلَتْ " وَلَا تَعْجَل بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْل أَنْ يُقْضَى إِلَيْك وَحْيه " [ طَه : 114 ] وَنَزَلَ : " سَنُقْرِئُك فَلَا تَنْسَى " [ الْأَعْلَى : 6 ] وَنَزَلَ : " لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَك " قَالَهُ اِبْن عَبَّاس : " وَقُرْآنَهُ " أَيْ وَقِرَاءَتَهُ عَلَيْك . وَالْقِرَاءَة وَالْقُرْآن فِي قَوْل الْفَرَّاء مَصْدَرَانِ . وَقَالَ قَتَادَة : " فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ " أَيْ فَاتَّبِعْ شَرَائِعَهُ وَأَحْكَامَهُ .
مشاركة الموضوع