تفسير الطبري

سورة المدثر الآية ٣٨

كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴿٣٨﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { كُلّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : كُلّ نَفْس مَأْمُورَة مَنْهِيَّة بِمَا عَمِلَتْ مِنْ مَعْصِيَة اللَّه فِي الدُّنْيَا , رَهِينَة فِي جَهَنَّم { إِلَّا أَصْحَاب الْيَمِين } فَإِنَّهُمْ غَيْر مُرْتَهِنِينَ , وَلَكِنَّهُمْ { فِي جَنَّات يَتَسَاءَلُونَ } عَنِ الْمُجْرِمِينَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 27486 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس : { كُلّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَة } يَقُول : مَأْخُوذَة بِعَمَلِهَا . 27487 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { كُلّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَة إِلَّا أَصْحَاب الْيَمِين } قَالَ : عَلَّقَ النَّاس كُلّهمْ إِلَّا أَصْحَاب الْيَمِين. 27488 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { كُلّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَة إِلَّا أَصْحَاب الْيَمِين } قَالَ : لَا يُحَاسَبُونَ . 27489 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْل اللَّه : { كُلّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَة إِلَّا أَصْحَاب الْيَمِين } أَصْحَاب الْيَمِين لَا يَرْتَهِنُونَ بِذُنُوبِهِمْ , وَلَكِنْ يَغْفِرهَا اللَّه لَهُمْ ; وَقَرَأَ قَوْل اللَّه : { إِلَّا عِبَاد اللَّه الْمُخْلَصِينَ } قَالَ : لَا يُؤَاخِذهُمْ اللَّه بِسَيِّئِ أَعْمَالهمْ , وَلَكِنْ يَغْفِرهَا اللَّه لَهُمْ , وَيَتَجَاوَز عَنْهُمْ كَمَا وَعَدَهُمْ . 27490 -حُدِّثْنَا عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : ثنا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { كُلّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَة } قَالَ : كُلّ نَفْس سَبَقَتْ لَهُ كَلِمَة الْعَذَاب يَرْتَهِنهُ اللَّه فِي النَّار , لَا يَرْتَهِن اللَّه أَحَدًا مِنْ أَهْل الْجَنَّة , أَلَمْ تَسْمَع أَنَّهُ قَالَ : { كُلّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَة إِلَّا أَصْحَاب الْيَمِين } يَقُول : لَيْسُوا رَهِينَة { فِي جَنَّات يَتَسَاءَلُونَ } . 27491 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , فِي قَوْله { إِلَّا أَصْحَاب الْيَمِين } قَالَ : إِنْ كَانَ أَحَدهمْ سَبَقَتْ لَهُ كَلِمَة الْعَذَاب مَنْزِله فِي النَّار يَكُون فِيهَا رَهْنًا , وَلَيْسَ يَرْتَهِن أَحَد مِنْ أَهْل الْجَنَّة هُمْ فِي جَنَّات يَتَسَاءَلُونَ.
كل نفس محبوسة بعملها, مرهونة عند الله بكسبها, ولا تفك حتى تؤدي ما عليها من الحقوق والعقوبات,
كل نفس بما كسبت من أعمال الشر والسوء محبوسة مرهونة بكسبها، لا تُفَكُّ حتى تؤدي ما عليها من الحقوق والعقوبات، إلا المسلمين المخلصين أصحاب اليمين الذين فكُّوا رقابهم بالطاعة، هم في جنات لا يُدْرَك وصفها، يسأل بعضهم بعضًا عن الكافرين الذين أجرموا في حق أنفسهم: ما الذي أدخلكم جهنم، وجعلكم تذوقون سعيرها؟ قال المجرمون: لم نكن من المصلِّين في الدنيا، ولم نكن نتصدق ونحسن للفقراء والمساكين، وكنا نتحدث بالباطل مع أهل الغَواية والضلالة، وكنا نكذب بيوم الحساب والجزاء، حتى جاءنا الموت، ونحن في تلك الضلالات والمنكرات.
"كُلّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَة" مَرْهُونَة مَأْخُوذَة بِعَمَلِهَا فِي النَّار
أَيْ مُعْتَقَلَة بِعَمَلِهَا يَوْم الْقِيَامَة قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره .
أَيْ مُرْتَهَنَة بِكَسْبِهَا , مَأْخُوذَة بِعَمَلِهَا , إِمَّا خَلَّصَهَا وَإِمَّا أَوْبَقَهَا .

وَلَيْسَتْ " رَهِينَة " تَأْنِيث رَهِين فِي قَوْله تَعَالَى : " كُلّ اِمْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِين " [ الطُّور : 21 ] لِتَأْنِيثِ النَّفْس ; لِأَنَّهُ لَوْ قُصِدَتْ الصِّفَة لَقِيلَ رَهِين ; لِأَنَّ فَعِيلًا بِمَعْنَى مَفْعُول يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّر وَالْمُؤَنَّث . وَإِنَّمَا هُوَ اِسْم بِمَعْنَى الرَّهْن كَالشَّتِيمَةِ بِمَعْنَى الشَّتْم ; كَأَنَّهُ قِيلَ : كُلّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ رَهِين ; وَمِنْهُ بَيْت الْحَمَاسَة : أَبْعَدَ الَّذِي بِالنَّعْفِ نَعْفِ كُوَيْكَبٍ رَهِينَة رَمْس ذِي تُرَاب وَجَنْدَل كَأَنَّهُ قَالَ رَهْن رَمْس .

وَالْمَعْنَى : كُلّ نَفْس رَهْن بِكَسْبِهَا عِنْدَ اللَّه غَيْر مَفْكُوك
مشاركة الموضوع