تفسير الطبري

سورة نوح الآية ٨

ثُمَّ إِنِّى دَعَوْتُهُمْ جِهَارًۭا ﴿٨﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتهمْ جِهَارًا } يَقُول : { ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتهمْ } إِلَى مَا أَمَرْتنِي أَنْ أَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ { جِهَارًا } ظَاهِرًا فِي غَيْر خَفَاء , كَمَا : 27129 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتهمْ جِهَارًا } قَالَ : الْجِهَار الْكَلَام الْمُعْلَن بِهِ .
ثم إني دعوتهم إلى الإيمان ظاهرا علنا في غير خفاء,
قال نوح: رب إني دعوت قومي إلى الإيمان بك وطاعتك في الليل والنهار، فلم يزدهم دعائي لهم إلى الإيمان إلا هربًا وإعراضًا عنه، وإني كلما دعوتهم إلى الإيمان بك؛ ليكون سببًا في غفرانك ذنوبهم، وضعوا أصابعهم في آذانهم؛ كي لا يسمعوا دعوة الحق، وتغطَّوا بثيابهم؛ كي لا يروني، وأقاموا على كفرهم، واستكبروا عن قَبول الإيمان استكبارًا شديدًا، ثم إني دعوتهم إلى الإيمان ظاهرًا علنًا في غير خفاء، ثم إني أعلنت لهم الدعوة بصوت مرتفع في حال، وأسررت بها بصوت خفيٍّ في حال أخرى، فقلت لقومي: سلوا ربكم غفران ذنوبكم، وتوبوا إليه من كفركم، إنه تعالى كان غفارًا لمن تاب من عباده ورجع إليه.
"ثُمَّ إنِّي دَعَوْتهمْ جِهَارًا" أَيْ بِأَعْلَى صَوْتِي
ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتهمْ جِهَارًا أَيْ جَهْرَة بَيْن النَّاس .
أَيْ مُظْهِرًا لَهُمْ الدَّعْوَة . وَهُوَ مَنْصُوب " بِدَعَوْتُهُمْ " نَصْب الْمَصْدَر ; لِأَنَّ الدُّعَاءَ أَحَد نَوْعَيْهِ الْجِهَار , فَنُصِبَ بِهِ نَصْب الْقُرْفُصَاء بِقَعَدَ ; لِكَوْنِهَا أَحَد أَنْوَاع الْقُعُود , أَوْ لِأَنَّهُ أَرَادَ " بِدَعَوْتُهُمْ " جَاهَرْتهمْ . وَيَجُوز أَنْ يَكُونَ صِفَة لِمَصْدَرِ دَعَا ; أَيْ دُعَاء جِهَارًا ; أَيْ مُجَاهِرًا بِهِ . وَيَكُون مَصْدَرًا فِي مَوْضِع الْحَال ; أَيْ دَعَوْتهمْ مُجَاهِرًا لَهُمْ بِالدَّعْوَةِ .
مشاركة الموضوع