تفسير الطبري

سورة نوح الآية ١٣

مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًۭا ﴿١٣﴾
وَقَوْله : { مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : مَا لَكُمْ لَا تَرَوْنَ لِلَّهِ عَظَمَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 27134 - حَدَّثَنِي عَلِيّ قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنِ ابْن عَبَّاس { مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا } يَقُول : عَظَمَة. 27135 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد { مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا } قَالَ : لَا تَرَوْنَ لِلَّهِ عَظَمَة . 27136 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان , مِثْله . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح وَقَيْس , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا } قَالَ : لَا تُبَالُونَ لِلَّهِ عَظَمَة . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن عُبَيْد , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد { مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا } قَالَ : كَانُوا لَا يُبَالُونَ عَظَمَة اللَّه . 27137 - حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , يَقُول : ثنا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا } يَقُول : عَظَمَة . 27138 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله { مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا } قَالَ : لَا تُبَالُونَ عَظَمَة رَبّكُمْ ; قَالَ : وَالرَّجَاء : الطَّمَع وَالْمَخَافَة . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : لَا تُعْطُونَ اللَّه حَقّ عَظَمَته . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 27139 - حَدَّثَنِي سَلْم بْن جُنَادَة , قَالَ : ثنا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ إِسْمَاعِيل بْن سُمَيْع , عَنْ مُسْلِم الْبَطِين , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنِ ابْن عَبَّاس { مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا } قَالَ : مَا لَكُمْ لَا تُعَظِّمُونَ اللَّه حَقّ عَظَمَته . وَقَالَ آخَرُونَ : مَا لَكُمْ لَا تَعْلَمُونَ لِلَّهِ عَظَمَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 27140 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا } يَقُول : مَا لَكُمْ لَا تَعْلَمُونَ لِلَّهِ عَظَمَة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ عَاقِبَة. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 27141 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا } أَيْ عَاقِبَة . * - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا } قَالَ : لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ عَاقِبَة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ طَاعَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 27142 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْل اللَّه : { مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا } قَالَ : الْوَقَار : الطَّاعَة. وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ عِنْدنَا بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : مَا لَكُمْ لَا تَخَافُونَ لِلَّهِ عَظَمَة , وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجَاء قَدْ تَضَعهُ الْعَرَب إِذَا صَحِبَهُ الْجَحْد فِي مَوْضِع الْخَوْف , كَمَا قَالَ أَبُو ذُؤَيْب : إِذَا لَسَعَتْهُ النَّحْل لَمْ يَرْجُ لَسْعهَا وَخَالَفَهَا فِي بَيْت نُوبٍ عَوَاسِلِ يَعْنِي بِقَوْلِهِ : " وَلَمْ يَرْجُ " : لَمْ يَخَفْ .
ويجعل لكم حدائق تنعمون بثمارها وجمالها, ويجعل لكم الأنهار التي تسقون منها زرعكم ومواشيكم.
إن تتوبوا وتستغفروا يُنْزِلِ الله عليكم المطر غزيرًا متتابعًا، ويكثرْ أموالكم وأولادكم، ويجعلْ لكم حدائق تَنْعَمون بثمارها وجمالها، ويجعل لكم الأنهار التي تسقون منها زرعكم ومواشيكم. مالكم -أيها القوم- لا تخافون عظمة الله وسلطانه، وقد خلقكم في أطوار متدرجة: نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظامًا ولحمًا؟ ألم تنظروا كيف خلق الله سبع سموات متطابقة بعضها فوق بعض، وجعل القمر في هذه السموات نورًا، وجعل الشمس مصباحًا مضيئًا يستضيء به أهل الأرض؟
"مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا" أَيْ تَأْمُلُونَ وَقَار اللَّه إيَّاكُمْ بِأَنْ تُؤْمِنُوا
أَيْ عَظَمَة قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَالضَّحَّاك وَقَالَ اِبْن عَبَّاس لَا تُعَظِّمُونَ اللَّه حَقّ عَظَمَته أَيْ لَا تَخَافُونَ مِنْ بَأْسه وَنِقْمَته .
قِيلَ : الرَّجَاء هُنَا بِمَعْنَى الْخَوْف ; أَيْ مَا لَكُمْ لَا تَخَافُونَ لِلَّهِ عَظَمَة وَقُدْرَة عَلَى أَحَدكُمْ بِالْعُقُوبَةِ . أَيْ أَيّ عُذْر لَكُمْ فِي تَرْك الْخَوْف مِنْ اللَّه . وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر وَأَبُو الْعَالِيَة وَعَطَاء بْن أَبِي رَبَاح : مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ ثَوَابًا وَلَا تَخَافُونَ لَهُ عِقَابًا . وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس : مَا لَكُمْ لَا تَخْشَوْنَ لِلَّهِ عِقَابًا وَتَرْجُونَ مِنْهُ ثَوَابًا . وَقَالَ الْوَالِبِيّ وَالْعَوْفِيّ عَنْهُ : مَا لَكُمْ لَا تَعْلَمُونَ لِلَّهِ عَظَمَة . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا وَمُجَاهِد : مَا لَكُمْ لَا تَرَوْنَ لِلَّهِ عَظَمَة . وَعَنْ مُجَاهِد وَالضَّحَّاك : مَا لَكُمْ لَا تُبَالُونَ لِلَّهِ عَظَمَة . قَالَ قُطْرُب : هَذِهِ لُغَة حِجَازِيَّة . وَهُذَيْل وَخُزَاعَة وَمُضَر يَقُولُونَ : لَمْ أَرْجُ : لَمْ أُبَالِ . وَالْوَقَار : الْعَظَمَة . وَالتَّوْقِير : التَّعْظِيم . وَقَالَ قَتَادَة : مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ عَاقِبَة ; كَأَنَّ الْمَعْنَى مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ عَاقِبَة الْإِيمَان . وَقَالَ اِبْن كَيْسَان : مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ فِي عِبَادَة اللَّه وَطَاعَته أَنْ يُثِيبَكُمْ عَلَى تَوْقِيركُمْ خَيْرًا . وَقَالَ اِبْن زَيْد : مَا لَكُمْ لَا تُؤَدُّونَ لِلَّهِ طَاعَة . وَقَالَ الْحَسَن : مَا لَكُمْ لَا تَعْرِفُونَ لِلَّهِ حَقًّا وَلَا تَشْكُرُونَ لَهُ نِعْمَة . وَقِيلَ : مَا لَكُمْ لَا تُوَحِّدُونَ اللَّهَ ; لِأَنَّ مَنْ عَظَّمَهُ فَقَدْ وَحَّدَهُ . وَقِيلَ : إِنَّ الْوَقَارَ الثَّبَات لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " وَقَرْنَ فِي بُيُوتكُنَّ " [ الْأَحْزَاب : 33 ] أَيْ اُثْبُتْنَ . وَمَعْنَاهُ مَا لَكُمْ لَا تُثْبِتُونَ وَحْدَانِيَّةَ اللَّه تَعَالَى وَأَنَّهُ إِلَهكُمْ لَا إِلَهَ لَكُمْ سِوَاهُ ; قَالَهُ اِبْن بَحْر . ثُمَّ دَلَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ :
مشاركة الموضوع