تفسير الطبري

سورة المعارج الآية ٣٨

أَيَطْمَعُ كُلُّ ٱمْرِئٍۢ مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍۢ ﴿٣٨﴾
وَقَوْله : { أَيَطْمَعُ كُلّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يَدْخُل جَنَّة نَعِيم } يَقُول : أَيَطْمَعُ كُلّ امْرِئٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلك مُهْطِعِينَ أَنْ يُدْخِلهُ اللَّه جَنَّة نَعِيم : أَيْ بَسَاتِين نَعِيم يُنَعَّم فِيهَا . وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { أَنْ يَدْخُل جَنَّة نَعِيم } فَقَرَأَتْ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْأَمْصَار : { يُدْخَل } بِضَمِّ الْيَاء عَلَى وَجْه مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله , غَيْر الْحَسَن وَطَلْحَة بْن مُصَرِّف , فَإِنَّهُ ذُكِرَ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا كَانَا يَقْرَآنِهِ بِفَتْحِ الْيَاء , بِمَعْنَى : أَيَطْمَعُ كُلّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يَدْخُل كُلّ امْرِئٍ مِنْهُمْ جَنَّة نَعِيم. وَالصَّوَاب مِنَ الْقِرَاءَة فِي ذَلِكَ مَا عَلَيْهِ قُرَّاء الْأَمْصَار , وَهِيَ ضَمّ الْيَاء ; لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنَ الْقُرَّاء عَلَيْهِ .
أيطمع كل واحد من هؤلاء الكفار أن يدخله الله جنة النعيم الدائم؟
فأيُّ دافع دفع هؤلاء الكفرة إلى أن يسيروا نحوك -أيها الرسول- مسرعين، وقد مدُّوا أعناقهم إليك مقبلين بأبصارهم عليك، يتجمعون عن يمينك وعن شمالك حلقًا متعددة وجماعات متفرقة يتحدثون ويتعجبون؟ أيطمع كل واحد من هؤلاء الكفار أن يدخله الله جنة النعيم الدائم؟ ليس الأمر كما يطمعون، فإنهم لا يدخلونها أبدًا. إنَّا خلقناهم مما يعلمون مِن ماء مهين كغيرهم، فلم يؤمنوا، فمن أين يتشرفون بدخول جنة النعيم؟
أَيْ أَيَطْمَعُ هَؤُلَاءِ وَالْحَالَة هَذِهِ مِنْ فِرَارهمْ عَنْ الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنِفَارهمْ عَنْ الْحَقّ أَنْ يُدْخَلُوا جَنَّات النَّعِيم . كَلَّا بَلْ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّم ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُقَرِّرًا لِوُقُوعِ الْمَعَاد وَالْعَذَاب بِهِمْ الَّذِي أَنْكَرُوا كَوْنه وَاسْتَبْعَدُوا وُجُوده مُسْتَدِلًّا عَلَيْهِمْ بِالْبُدَاءَةِ وَالْإِعَادَة أَهْوَن مِنْهَا وَهُمْ مُعْتَرِفُونَ بِهَا .
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ : كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَجْتَمِعُونَ حَوْلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَسْتَمِعُونَ كَلَامَهُ فَيَكْذِبُونَهُ وَيَكْذِبُونَ عَلَيْهِ , وَيَسْتَهْزِئُونَ بِأَصْحَابِهِ وَيَقُولُونَ : لَئِنْ دَخَلَ هَؤُلَاءِ الْجَنَّةَ لَنَدْخُلَنَّهَا قَبْلَهُمْ , وَلَئِنْ أُعْطُوا مِنْهَا شَيْئًا لَنُعْطَيَنَّ أَكْثَرَ مِنْهُ ; فَنَزَلَتْ : " أَيَطْمَعُ " الْآيَة . وَقِيلَ : كَانَ الْمُسْتَهْزِئُونَ خَمْسَة أَرْهُط . وَقَرَأَ الْحَسَن وَطَلْحَة بْن مُصَرِّف وَالْأَعْرَج " أَنْ يَدْخُلَ " بِفَتْحِ الْيَاء وَضَمّ الْخَاء مُسَمَّى الْفَاعِل . وَرَوَاهُ الْمُفَضَّل عَنْ عَاصِم . الْبَاقُونَ " أَنْ يُدْخَلَ " عَلَى الْفِعْل الْمَجْهُول .
مشاركة الموضوع