تفسير الطبري

سورة المعارج الآية ٣٠

إِلَّا عَلَىٰٓ أَزْوَٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴿٣٠﴾
{ إِلَّا } أَنَّهُمْ غَيْر مَلُومِينَ فِي تَرْك حِفْظهَا { عَلَى أَزْوَاجهمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانهمْ } مِنْ إِمَائِهِمْ , وَقِيلَ : { لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجهمْ } وَلَمْ يَتَقَدَّم ذَلِكَ جَحْد لِدَلَالَةِ قَوْله : { فَإِنَّهُمْ غَيْر مَلُومِينَ } عَلَى أَنَّ فِي الْكَلَام مَعْنَى جَحَدَ , وَذَلِكَ كَقَوْلِ الْقَائِل : اعْمَلْ مَا بَدَا لَك إِلَّا عَلَى ارْتِكَاب الْمَعْصِيَة , فَإِنَّك مُعَاقَب عَلَيْهِ , وَمَعْنَاهُ : اعْمَلْ مَا بَدَا لَك إِلَّا أَنَّك مُعَاقَب عَلَى ارْتِكَاب الْمَعْصِيَة .
إلا على أزواجهم وإمائهم, فإنهم غير مؤاخذين.
إن الإنسان جُبِلَ على الجزع وشدة الحرص، إذا أصابه المكروه والعسر فهو كثير الجزع والأسى، وإذا أصابه الخير واليسر فهو كثير المنع والإمساك، إلا المقيمين للصلاة الذين يحافظون على أدائها في جميع الأوقات، ولا يَشْغَلهم عنها شاغل، والذين في أموالهم نصيب معيَّن فرضه الله عليهم، وهو الزكاة لمن يسألهم المعونة، ولمن يتعفف عن سؤالها، والذين يؤمنون بيوم الحساب والجزاء فيستعدون له بالأعمال الصالحة، والذين هم خائفون من عذاب الله. إن عذاب ربهم لا ينبغي أن يأمنه أحد. والذين هم حافظون لفروجهم عن كل ما حرَّم الله عليهم، إلا على أزواجهم وإمائهم، فإنهم غير مؤاخذين.
"إلَّا عَلَى أَزْوَاجهمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانهمْ" مِنْ الْإِمَاء
أَيْ لَا يَقْرَبُونَ سِوَى أَزْوَاجهمْ الَّتِي أَحَلَّهَا اللَّه لَهُمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانهمْ مِنْ السَّرَارِيّ وَمَنْ تَعَاطَى مَا أَحَلَّهُ اللَّه لَهُ فَلَا لَوْم عَلَيْهِ وَلَا حَرَج وَلِهَذَا قَالَ " فَإِنَّهُمْ غَيْر مَلُومِينَ .
قَالَ الْفَرَّاء : أَيْ مِنْ أَزْوَاجهمْ اللَّاتِي أَحَلَّ اللَّه لَهُمْ لَا يُجَاوِزُونَ .


فِي مَوْضِع خَفْض مَعْطُوفَة عَلَى " أَزْوَاجهمْ " و " مَا " مَصْدَرِيَّة . وَهَذَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الزِّنَا وَمَا قُلْنَاهُ مِنْ الِاسْتِمْنَاء وَنِكَاح الْمُتْعَة ; لِأَنَّ الْمُتَمَتِّع بِهَا لَا تَجْرِي مَجْرَى الزَّوْجَات , لَا تَرِث وَلَا تُورَث , وَلَا يَلْحَق بِهِ وَلَدهَا , وَلَا يُخْرَج مِنْ نِكَاحهَا بِطَلَاقٍ يُسْتَأْنَف لَهَا , وَإِنَّمَا يُخْرَج بِانْقِضَاءِ الْمُدَّة الَّتِي عُقِدَتْ عَلَيْهَا وَصَارَتْ كَالْمُسْتَأْجَرَةِ . اِبْن الْعَرَبِيّ : إِنْ قُلْنَا إِنَّ نِكَاحَ الْمُتْعَة جَائِز فَهِيَ زَوْجَة إِلَى أَجَل يَنْطَلِق عَلَيْهَا اِسْم الزَّوْجِيَّة . وَإِنْ قُلْنَا بِالْحَقِّ الَّذِي أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّة مِنْ تَحْرِيم نِكَاح الْمُتْعَة لَمَا كَانَتْ زَوْجَةً فَلَمْ تَدْخُل فِي الْآيَة . قُلْت : وَفَائِدَة هَذَا الْخِلَاف هَلْ يَجِب الْحَدّ وَلَا يَلْحَق الْوَلَد كَالزِّنَا الصَّرِيح أَوْ يُدْفَع الْحَدّ لِلشُّبْهَةِ وَيَلْحَق الْوَلَد , قَوْلَانِ لِأَصْحَابِنَا . وَقَدْ كَانَ لِلْمُتْعَةِ فِي التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم أَحْوَال ; فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ مُبَاحَة ثُمَّ حَرَّمَهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَمَن خَيْبَرَ , ثُمَّ حَلَّلَهَا فِي غُزَاة الْفَتْح ; ثُمَّ حَرَّمَهَا بَعْدُ ; قَالَهُ اِبْن خُوَيْزِ مَنْدَاد مِنْ أَصْحَابنَا وَغَيْره , وَإِلَيْهِ أَشَارَ اِبْن الْعَرَبِيّ .
مشاركة الموضوع