تفسير الطبري

سورة الأعراف الآية ٩٩

أَفَأَمِنُوا۟ مَكْرَ ٱللَّهِ ۚ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْخَٰسِرُونَ ﴿٩٩﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَفَأَمِنُوا مَكْر اللَّه فَلَا يَأْمَن مَكْر اللَّه إِلَّا الْقَوْم الْخَاسِرُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَفَأَمِنَ يَا مُحَمَّد هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ اللَّه وَرَسُوله وَيَجْحَدُونَ آيَاته , اِسْتِدْرَاج اللَّه إِيَّاهُمْ بِمَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ فِي دُنْيَاهُمْ مِنْ صِحَّة الْأَبَدَانِ وَرَخَاء الْعَيْش , كَمَا اِسْتَدْرَجَ الَّذِينَ قَصَّ عَلَيْهِمْ قَصَصهمْ مِنْ الْأُمَم قَبْلهمْ . فَإِنَّ مَكْر اللَّه لَا يَأْمَنهُ , يَقُول : لَا يَأْمَن ذَلِكَ أَنْ يَكُون اِسْتِدْرَاجًا مَعَ مَقَامهمْ عَلَى كُفْرهمْ وَإِصْرَارهمْ عَلَى مَعْصِيَتهمْ إِلَّا الْقَوْم الْخَاسِرُونَ وَهُمْ الْهَالِكُونَ .
" أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ " حيث يستدرجهم من حيث لا يعلمون, ويملي لهم, إن كيده متين.
" فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ " فإن من أمن من عذاب اللّه, فإنه لم يصدق بالجزاء على الأعمال, ولا آمن بالرسل حقيقة الإيمان.
وهذه الآية الكريمة, فيها من التخويف البليغ, على أن العبد, لا ينبغي له أن يكون آمنا, على ما معه من الإيمان.
بل لا يزال خائفا وجلا, أن يبتلى ببلية, تسلب ما معه من الإيمان, وأن لا يزال داعيا بقوله: " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " .
وأن يعمل ويسعى, في كل سبب يخلصه من الشر, عند وقوع الفتن, فإن العبد - ولو بلغت به الحال ما بلغت - فليس على يقين من السلامة.
أفأمن أهل القرى المكذبة مَكْرَ الله وإمهاله لهم؛ استدراجًا لهم بما أنعم عليهم في دنياهم عقوبة لمكرهم؟ فلا يأمن مكر الله إلا القوم الهالكون.
"أَفَأَمِنُوا مَكْر اللَّه" اسْتِدْرَاجه إيَّاهُمْ بِالنِّعْمَةِ وَأَخْذهمْ بَغْتَة
" أَفَأَمِنُوا مَكْر اللَّه " أَيْ بَأْسه وَنِقْمَته وَقُدْرَته عَلَيْهِمْ وَأَخْذه إِيَّاهُمْ فِي حَال سَهْوهمْ وَغَفْلَتهمْ" فَلَا يَأْمَن مَكْر اللَّه إِلَّا الْقَوْم الْخَاسِرُونَ " وَلِهَذَا قَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ رَحِمَهُ اللَّه : الْمُؤْمِن يَعْمَل بِالطَّاعَاتِ وَهُوَ مُشْفِق وَجِل خَائِف وَالْفَاجِر يَعْمَل بِالْمَعَاصِي وَهُوَ آمِن .
أَيْ عَذَابه وَجَزَاءَهُ عَلَى مَكْرهمْ . وَقِيلَ : مَكْره اِسْتِدْرَاجه بِالنِّعْمَةِ وَالصِّحَّة .
مشاركة الموضوع