قَوْله تَعَالَى : " إِنَّكُمْ " قَرَأَ نَافِع وَحَفْص عَلَى الْخَبَر بِهَمْزَةٍ وَاحِدَة مَكْسُورَة , تَفْسِيرًا لِلْفَاحِشَةِ الْمَذْكُورَة , فَلَمْ يَحْسُن إِدْخَال الِاسْتِفْهَام عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ يَقْطَع مَا بَعْده مِمَّا قَبْله . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ عَلَى لَفْظ الِاسْتِفْهَام الَّذِي مَعْنَاهُ التَّوْبِيخ , وَحَسُنَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ مَا قَبْله وَبَعْده كَلَام مُسْتَقِلّ . وَاخْتَارَ الْأَوَّل أَبُو عُبَيْد وَالنَّسَائِيّ وَغَيْرهمَا ; وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : " أَفَإِنْ مِتّ فَهُمْ الْخَالِدُونَ " [ الْأَنْبِيَاء : 34 ] وَلَمْ يَقُلْ أَفَهُمْ . وَقَالَ : " أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابكُمْ " [ آل عِمْرَان : 144 ] وَلَمْ يَقُلْ أَنْقَلَبْتُمْ . وَهَذَا مِنْ أَقْبَح الْغَلَط لِأَنَّهُمَا شَبَّهَا شَيْئَيْنِ بِمَا لَا يَشْتَبِهَانِ ; لِأَنَّ الشَّرْط وَجَوَابه بِمَنْزِلَةِ شَيْء وَاحِد كَالْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَر ; فَلَا يَجُوز أَنْ يَكُون فِيهِمَا اِسْتِفْهَامَانِ . فَلَا يَجُوز : أَفَإِنْ مِتّ أَفَهُمْ , كَمَا لَا يَجُوز أَزَيْد أَمُنْطَلِق . وَقِصَّة لُوط عَلَيْهِ السَّلَام فِيهَا جُمْلَتَانِ , فَلَك أَنْ تَسْتَفْهِم عَنْ كُلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا . هَذَا قَوْل الْخَلِيل وَسِيبَوَيْهِ , وَاخْتَارَهُ النَّحَّاس وَمَكِّيّ وَغَيْرهمَا " شَهْوَة " نَصْب عَلَى الْمَصْدَر , أَيْ تَشْتَهُونَهُمْ شَهْوَة . وَيَجُوز أَنْ يَكُون مَصْدَرًا فِي مَوْضِع الْحَال . " بَلْ أَنْتُمْ قَوْم مُسْرِفُونَ " نَظِيرَهُ " بَلْ أَنْتُمْ قَوْم عَادُونَ " [ الشُّعَرَاء : 166 ] فِي جَمْعكُمْ إِلَى الشِّرْك هَذِهِ الْفَاحِشَة .