تفسير الطبري

سورة الأعراف الآية ٤٨

وَنَادَىٰٓ أَصْحَٰبُ ٱلْأَعْرَافِ رِجَالًۭا يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَىٰهُمْ قَالُوا۟ مَآ أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ ﴿٤٨﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَنَادَى أَصْحَاب الْأَعْرَاف رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَنَادَى أَصْحَاب الْأَعْرَاف رِجَالًا } مِنْ أَهْل الْأَرْض { يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ } سِيمَا أَهْل النَّار , { قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعكُمْ } مَا كُنْتُمْ تَجْمَعُونَ مِنْ الْأَمْوَال وَالْعُدَد فِي الدُّنْيَا , { وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ } يَقُول : وَتَكَبُّركُمْ الَّذِي كُنْتُمْ تَتَكَبَّرُونَ فِيهَا . كَمَا : 11436 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : فَمَرَّ بِهِمْ - يَعْنِي بِأَصْحَابِ الْأَعْرَاف - نَاس مِنْ الْجَبَّارِينَ عَرَفُوهُمْ بِسِيمَاهُمْ ; قَالَ : يَقُول : قَالَ أَصْحَاب الْأَعْرَاف : { مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ } 11437 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَنَادَى أَصْحَاب الْأَعْرَاف رِجَالًا } قَالَ : فِي النَّار , { يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعكُمْ } وَتَكَبُّركُمْ , { وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ } 11438 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ سُلَيْمَان التَّيْمِيّ , عَنْ أَبِي مِجْلَز : { وَنَادَى أَصْحَاب الْأَعْرَاف رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ } قَالَ : هَذَا حِين دَخَلَ أَهْل الْجَنَّة الْجَنَّة , { أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالهُمْ اللَّه بِرَحْمَةٍ } الْآيَة . قُلْت لِأَبِي مِجْلَز : عَنْ اِبْن عَبَّاس ؟ قَالَ : لَا بَلْ عَنْ غَيْره . * حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا اِبْن عُلَيَّة , عَنْ سُلَيْمَان التَّيْمِيّ , عَنْ أَبِي مِجْلَز : { وَنَادَى أَصْحَاب الْأَعْرَاف رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ } قَالَ : نَادَتْ الْمَلَائِكَة رِجَالًا فِي النَّار يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ : { مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالهُمْ اللَّه بِرَحْمَةٍ } قَالَ : هَذَا حِين دَخَلَ أَهْل الْجَنَّة الْجَنَّة , { اُدْخُلُوا الْجَنَّة لَا خَوْف عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ } 11439 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَنَادَى أَصْحَاب الْأَعْرَاف رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ } فَالرِّجَال عُظَمَاء مِنْ أَهْل الدُّنْيَا ; قَالَ : فَبِهَذِهِ الصِّفَة عَرَفَ أَهْل الْأَعْرَاف أَهْل الْجَنَّة مِنْ أَهْل النَّار. وَإِنَّمَا ذِكْر هَذَا حِين يَذْهَب رَئِيس أَهْل الْخَيْر وَرَئِيس أَهْل الشَّرّ يَوْم الْقِيَامَة . قَالَ : وَقَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ } قَالَ : عَلَى أَهْل طَاعَة اللَّه.
ثم ذكر الخصوص بعد العموم فقال: " وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ " وهم من أهل النار, وقد كانوا في الدنيا لهم أبهة وشرف, وأموال, وأولاد.
فقال لهم أصحاب الأعراف - حين رأوهم منفردين في العذاب, بلا ناصر ولا مغيث: " مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ " في الدنيا, الذي كنتم تستدفعون به المكاره, وتتوسلون به إلى مطالبكم في الدنيا, فاليوم اضمحل, ولم يغن عنكم شيئا.
وكذلك, أي شيء نفعكم استكباركم على الحق, وعلى ما جاء به, وعلى من اتبعه.
ونادى أهل الأعراف رجالا من قادة الكفار الذين في النار، يعرفونهم بعلامات خاصة تميزهم، قالوا لهم: ما نفعكم ما كنتم تجمعون من الأموال والرجال في الدنيا، وما نفعكم استعلاؤكم عن الإيمان بالله وقَبول الحق.
"وَنَادَى أَصْحَاب الْأَعْرَاف رِجَالًا" مِنْ أَصْحَاب النَّار "يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ" مِنْ النَّار "جَمْعكُمْ" الْمَال أَوْ كَثْرَتكُمْ "وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ" أَيْ وَاسْتِكْبَاركُمْ عَنْ الْإِيمَان وَيَقُولُونَ لَهُمْ مُشِيرِينَ إلَى ضُعَفَاء الْمُسْلِمِينَ
يَقُول اللَّه تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ تَقْرِيع أَهْل الْأَعْرَاف لِرِجَالٍ مِنْ صَنَادِيد الْمُشْرِكِينَ وَقَادَتهمْ يَعْرِفُونَهُمْ فِي النَّار بِسِيمَاهُمْ " مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعكُمْ " أَيْ كَثْرَتكُمْ" وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ " أَيْ لَا يَنْفَعكُمْ كَثْرَتكُمْ وَلَا جُمُوعكُمْ مِنْ عَذَاب اللَّه بَلْ صِرْتُمْ إِلَى مَا أَنْتُمْ فِيهِ مِنْ الْعَذَاب وَالنَّكَال .
أَيْ مِنْ أَهْل النَّار .


أَيْ لِلدُّنْيَا وَاسْتِكْبَاركُمْ عَنْ الْإِيمَان .
مشاركة الموضوع