تفسير الطبري

سورة الأعراف الآية ٢٨

وَإِذَا فَعَلُوا۟ فَٰحِشَةًۭ قَالُوا۟ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ ءَابَآءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ۗ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ ۖ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿٢٨﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاَللَّه أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّه لَا يَأْمُر بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّه مَا لَا تَعْلَمُونَ } ذُكِرَ أَنَّ مَعْنَى الْفَاحِشَة فِي هَذَا الْمَوْضِع , مَا : 11247 - حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن سَعِيد بْن مَسْرُوق الْكِنْدِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو مُحَيَّاة عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد : { وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاَللَّه أَمَرَنَا بِهَا } قَالَ : كَانُوا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاة , يَقُولُونَ : نَطُوف كَمَا وَلَدَتْنَا أُمَّهَاتنَا , فَتَضَع الْمَرْأَة عَلَى قُبُلهَا النِّسْعَة أَوْ الشَّيْء فَتَقُول : الْيَوْم يَبْدُو بَعْضه أَوْ كُلّه فَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلّهُ 11248 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا } فَاحِشَتهمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاة . * حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبُو أُسَامَة , عَنْ مُفَضَّل , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله. 11249 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا عِمْرَان بْن عُيَيْنَة , عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر وَالشَّعْبِيّ : { وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا } قَالَ : كَانُوا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاة . 11250 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاَللَّه أَمَرَنَا بِهَا } قَالَ : كَانَ قَبِيلَة مِنْ الْعَرَب مِنْ أَهْل الْيَمَن يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاة , فَإِذَا قِيلَ : لِمَ تَفْعَلُونَ ذَلِكَ ؟ قَالُوا : وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا , وَاَللَّه أَمَرَنَا بِهَا . 11251 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا إِسْرَائِيل , عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة } قَالَ : طَوَافهمْ بِالْبَيْتِ عُرَاة . * حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا أَبُو سَعْد , عَنْ مُجَاهِد { وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا } قَالَ : فِي طَوَاف الْحُمْس فِي الثِّيَاب وَغَيْرهمْ عُرَاة . * حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا } قَالَ : كَانَ نِسَاؤُهُمْ يَطُفْنَ بِالْبَيْتِ عُرَاة , فَتِلْكَ الْفَاحِشَة الَّتِي وَجَدُوا عَلَيْهَا آبَاءَهُمْ { قُلْ إِنَّ اللَّه لَا يَأْمُر بِالْفَحْشَاءِ } الْآيَة . فَتَأْوِيل الْكَلَام إِذَنْ : وَإِذَا فَعَلَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ الَّذِينَ جَعَلَ اللَّه الشَّيَاطِين لَهُمْ أَوْلِيَاء قَبِيحًا مِنْ الْفِعْل وَهُوَ الْفَاحِشَة , وَذَلِكَ تَعَرِّيهمْ لِلطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَتَجَرُّدهمْ لَهُ , فَعُذِلُوا عَلَى مَا أَتَوْا مِنْ قَبِيح فِعْلهمْ وَعُوتِبُوا عَلَيْهِ , قَالُوا : وَجَدْنَا عَلَى مِثْل مَا نَفْعَل آبَاءَنَا , فَنَحْنُ نَفْعَل مِثْل مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ , وَنَقْتَدِي بِهَدْيِهِمْ وَنَسْتَنّ بِسُنَّتِهِمْ , وَاَللَّه أَمَرَنَا بِهِ , فَنَحْنُ نَتَّبِع أَمْرَهُ فِيهِ , يَقُول اللَّه جَلَّ ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّد لَهُمْ : إِنَّ اللَّه لَا يَأْمُر بِالْفَحْشَاءِ , يَقُول : لَا يَأْمُر خَلْقه بِقَبَائِح الْأَفْعَال وَمَسَاوِيهَا , أَتَقُولُونَ أَيّهَا النَّاس عَلَى اللَّه مَا لَا تَعْلَمُونَ ! يَقُول : أَتَرْوُونَ عَلَى اللَّه أَنَّهُ أَمَرَكُمْ بِالتَّعَرِّي وَالتَّجَرُّد مِنْ الثِّيَاب وَاللِّبَاس لِلطَّوَافِ , وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ .
يقول تعالى, مبينا لقبح حال المشركين, الذين يفعلون الذنوب, وينسبون للّه أنه أمرهم بها.
" وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً " وهي: كل ما يستفحش ويستقبح, ومن ذلك: طوافهم بالبيت, عراة.
" قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا " وصدقوا في هذا.
" وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا " وكذبوا في هذا, ولهذا رد اللّه عليهم هذه النسبة فقال: " قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ " أي: لا يليق بكماله وحكمته, أن يأمر عباده بتعاطي الفواحش, لا هذا الذي يفعله المشركون ولا غيره.
" أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ " وأي افتراء أعظم من هذا!!!
وإذا أتى الكفار قبيحًا من الفعل اعتذروا عن فعله بأنه مما ورثوه عن آبائهم، وأنه مما أمر الله به. قل لهم -أيها الرسول-: إن الله تعالى لا يأمر عباده بقبائح الأفعال ومساوئها، أتقولون على الله -أيها المشركون- ما لا تعلمون كذبًا وافتراءً؟
"وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة" كَالشِّرْكِ وَطَوَافهمْ بِالْبَيْتِ عُرَاة قَائِلِينَ : لَا نَطُوف فِي ثِيَاب عَصَيْنَا اللَّه فِيهَا فَنُهُوا عَنْهَا "قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا" فَاقْتَدَيْنَا بِهِمْ "وَاَللَّه أَمَرَنَا بِهَا" أَيْضًا "قُلْ" لَهُمْ "إنَّ اللَّه لَا يَأْمُر بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّه مَا لَا تَعْلَمُونَ" أَنَّهُ قَالَهُ اسْتِفْهَام إنْكَار
قَالَ مُجَاهِد كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاة يَقُولُونَ نَطُوف كَمَا وَلَدَتْنَا أُمَّهَاتنَا فَتَضَع الْمَرْأَة عَلَى قُبُلهَا النِّسْعَة أَوْ الشَّيْء وَتَقُول : الْيَوْم يَبْدُو بَعْضه أَوْ كُلّه وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلّهُ فَأَنْزَلَ اللَّه " وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاَللَّه أَمَرَنَا بِهَا " الْآيَة . قُلْت كَانَتْ الْعَرَب مَا عَدَا قُرَيْشًا لَا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ فِي ثِيَابهمْ الَّتِي لَبِسُوهَا يَتَأَوَّلُونَ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَا يَطُوفُونَ فِي ثِيَاب عَصَوْا اللَّه فِيهَا وَكَانَتْ قُرَيْش وَهُمْ الْحُمْس يَطُوفُونَ فِي ثِيَابهمْ وَمَنْ أَعَارَهُ أَحْمَسِيّ ثَوْبًا طَافَ فِيهِ وَمَنْ مَعَهُ ثَوْب جَلِيد طَافَ فِيهِ ثُمَّ يُلْقِيه فَلَا يَتَمَلَّكهُ أَحَد وَمَنْ لَمْ يَجِد ثَوْبًا جَدِيدًا وَلَا أَعَارَهُ أَحْمَسِيّ ثَوْبًا طَافَ عُرْيَانًا وَرُبَّمَا كَانَتْ اِمْرَأَة فَتَطُوف عُرْيَانَة فَتَجْعَل عَلَى فَرْجهَا شَيْئًا لِيَسْتُرهُ بَعْض السَّتْر فَتَقُول : الْيَوْم يَبْدُو بَعْضه أَوْ كُلّه وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلّهُ وَأَكْثَر مَا كَانَ النِّسَاء يَطُفْنَ عُرَاة بِاللَّيْلِ وَكَانَ هَذَا شَيْئًا قَدْ اِبْتَدَعُوهُ مِنْ تِلْقَاء أَنْفُسهمْ وَاتَّبَعُوا فِيهِ آبَاءَهُمْ وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ فِعْل آبَائِهِمْ مُسْتَنِد إِلَى أَمْر مِنْ اللَّه وَشَرْع فَأَنْكَرَ اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فَقَالَ " وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاَللَّه أَمَرَنَا بِهَا " فَقَالَ تَعَالَى رَدًّا عَلَيْهِمْ " قُلْ " أَيْ يَا مُحَمَّد لِمَنْ اِدَّعَى ذَلِكَ " إِنَّ اللَّه لَا يَأْمُر بِالْفَحْشَاءِ " أَيْ هَذَا الَّذِي تَصْنَعُونَهُ فَاحِشَة مُنْكَرَة وَاَللَّه لَا يَأْمُر بِمِثْلِ ذَلِكَ" أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّه مَا لَا تَعْلَمُونَ " أَيْ أَتُسْنِدُونَ إِلَى اللَّه مِنْ الْأَقْوَال مَا لَا تَعْلَمُونَ صِحَّته .
الْفَاحِشَة هُنَا فِي قَوْل أَكْثَر الْمُفَسِّرِينَ طَوَافهمْ بِالْبَيْتِ عُرَاة . وَقَالَ الْحَسَن : هِيَ الشِّرْك وَالْكُفْر . وَاحْتَجُّوا عَلَى ذَلِكَ بِتَقْلِيدِهِمْ أَسْلَافهمْ , وَبِأَنَّ اللَّه أَمَرَهُمْ بِهَا . وَقَالَ الْحَسَن : " وَاَللَّه أَمَرَنَا بِهَا " قَالُوا : لَوْ كَرِهَ اللَّه مَا نَحْنُ عَلَيْهِ لَنَقَلَنَا عَنْهُ . " قُلْ إِنَّ اللَّه لَا يَأْمُر بِالْفَحْشَاءِ " بَيَّنَ أَنَّهُمْ مُتَحَكِّمُونَ , وَلَا دَلِيل لَهُمْ عَلَى أَنَّ اللَّه أَمَرَهُمْ بِمَا اِدَّعَوْا . وَقَدْ مَضَى ذَمّ التَّقْلِيد وَذَمّ كَثِير مِنْ جَهَالَاتهمْ . وَهَذَا مِنْهَا .
مشاركة الموضوع