تفسير الطبري

سورة الأعراف الآية ١٦٣

وَسْـَٔلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِى ٱلسَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًۭا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ ﴿١٦٣﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَة الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَة الْبَحْر } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَاسْأَلْ يَا مُحَمَّد هَؤُلَاءِ الْيَهُود وَهُمْ مُجَاوِرُوك , عَنْ أَمْر الْقَرْيَة الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَة الْبَحْر , يَقُول : كَانَتْ بِحَضْرَةِ الْبَحْر ; أَيْ بِقُرْبِ الْبَحْر وَعَلَى شَاطِئِهِ . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِيهَا , فَقَالَ بَعْضهمْ : هِيَ أَيْلَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ. 11846 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا اِبْن إِدْرِيس , عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , عَنْ دَاوُد بْن حُصَيْن , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَة الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَة الْبَحْر } قَالَ : هِيَ قَرْيَة يُقَال لَهَا أَيْلَة , بَيْن مَدْيَن وَالطُّور . 11847 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَبْد اللَّه بْن كَثِير , فِي قَوْله : { وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَة الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَة الْبَحْر } قَالَ : سَمِعْنَا أَنَّهَا أَيْلَة . 11848 - حَدَّثَنِي سَلَّام بْن سَالِم الْخُزَاعِيّ , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن سُلَيْم الطَّائِفِيّ , قَالَ : ثنا اِبْن جُرَيْج , عَنْ عِكْرِمَة , قَالَ : دَخَلْت عَلَى اِبْن عَبَّاس وَالْمُصْحَف فِي حَجْره , وَهُوَ يَبْكِي , فَقُلْت : مَا يُبْكِيك جَعَلَنِي اللَّه فِدَاك ؟ فَقَالَ : وَيْلك , وَتَعْرِف الْقَرْيَة الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَة الْبَحْر ؟ فَقُلْت : تِلْكَ أَيْلَة . * حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ أَبِي بَكْر الْهُذَلِيّ , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَة الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَة } قَالَ : هِيَ أَيْلَة . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : هِيَ قَرْيَة عَلَى شَاطِئ الْبَحْر بَيْن مِصْر وَالْمَدِينَة يُقَال لَهَا أَيْلَة . 11849 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : هُمْ أَهْل أَيْلَة , الْقَرْيَة الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَة الْبَحْر . 11850 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا أَبُو سَعْد , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَة الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَة الْبَحْر } قَالَ أَيْلَة . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ : سَاحِل مَدْيَن . 11851 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَة الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَة الْبَحْر } الْآيَة , ذُكِرَ لَنَا أَنَّهَا كَانَتْ قَرْيَة عَلَى سَاحِل الْبَحْر يُقَال لَهَا أَيْلَة . وَقَالَ آخَرُونَ : هِيَ مقنا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ. 11852 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَة الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَة الْبَحْر } قَالَ : هِيَ قَرْيَة يُقَال لَهَا مقنا بَيْن مَدْيَن وَعَيْنُونَى . وَقَالَ آخَرُونَ : هِيَ مَدْيَن . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 11853 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , عَنْ دَاوُد بْن الْحُصَيْن , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : هِيَ قَرْيَة بَيْن أَيْلَة وَالطُّور يُقَال لَهَا مَدْيَن . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : هِيَ قَرْيَة حَاضِرَة الْبَحْر , وَجَائِز أَنْ تَكُون أَيْلَة , وَجَائِز أَنْ تَكُون مَدْيَن , وَجَائِز أَنْ تَكُون مقنا ; لِأَنَّ كُلّ ذَلِكَ حَاضِرَة الْبَحْر . وَلَا خَبَر عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْطَع الْعُذْر بِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَيّ , وَالِاخْتِلَاف فِيهِ عَلَى مَا وَصَفْت , وَلَا يُوصَل إِلَى عِلْم مَا قَدْ كَانَ فَمَضَى مِمَّا لَمْ نُعَايِنهُ , إِلَّا بِخَبَرٍ يُوجِب الْعِلْم ; وَلَا خَبَر كَذَلِكَ فِي ذَلِكَ.

وَقَوْله : { إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْت } يَعْنِي بِهِ أَهْله : إِذْ يَعْتَدُونَ فِي السَّبْت أَمْر اللَّه , وَيَتَجَاوَزُونَهُ إِلَى مَا حَرَّمَهُ اللَّه عَلَيْهِمْ , يُقَال مِنْهُ : عَدَا فُلَان أَمْرِي وَاعْتَدَى : إِذَا تَجَاوَزَهُ . وَكَانَ اِعْتِدَاؤُهُمْ فِي السَّبْت أَنَّ اللَّه كَانَ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ السَّبْت , فَكَانُوا يَصْطَادُونَ فِيهِ السَّمَك. { إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانهمْ يَوْم سَبْتهمْ شُرَّعًا } : يَقُول : إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانهمْ يَوْم سَبْتهمْ الَّذِي نُهُوا فِيهِ عَنْ الْعَمَل شُرَّعًا , يَقُول : شَارِعَة ظَاهِرَة عَلَى الْمَاء مِنْ كُلّ طَرِيق وَنَاحِيَة كَشَوَارِع الطُّرُق . كَاَلَّذِي : 11854 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا عُثْمَان بْن سَعْد , عَنْ بِشْر بْن عُمَارَة , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس : { إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانهمْ يَوْم سَبْتهمْ شُرَّعًا } يَقُول : ظَاهِرَة عَلَى الْمَاء . 11855 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس { شُرَّعًا } يَقُول : مِنْ كُلّ مَكَان . وَقَوْله : { وَيَوْم لَا يَسْبِتُونَ } يَقُول : وَيَوْم لَا يُعَظِّمُونَهُ تَعْظِيمهمْ السَّبْت , وَذَلِكَ سَائِر الْأَيَّام غَيْر يَوْم السَّبْت , لَا تَأْتِيهِمْ الْحِيتَان . { كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ } يَقُول : كَمَا وَصَفْنَا لَكُمْ مِنْ الِاخْتِبَار وَالِابْتِلَاء الَّذِي ذَكَرْنَا بِإِظْهَارِ السَّمَك لَهُمْ عَلَى ظَهْر الْمَاء فِي الْيَوْم الْمُحَرَّم عَلَيْهِمْ صَيْده , وَإِخْفَائِهَا عَنْهُ فِي الْيَوْم الْمُحَلَّل صَيْده , كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ وَنَخْتَبِرهُمْ { بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ } يَقُول : بِفِسْقِهِمْ عَنْ طَاعَة اللَّه وَخُرُوجهمْ عَنْهَا. وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { وَيَوْم لَا يَسْبِتُونَ } فَقُرِئَ بِفَتْحِ الْيَاء مِنْ " يَسْبِتُونَ " مِنْ قَوْل الْقَائِل : سَبَتَ فُلَان يَسْبِت سَبْتًا وَسُبُوتًا : إِذَا عَظَّمَ السَّبْت . وَذُكِرَ عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهُ : " وَيَوْم لَا يُسْبِتُونَ " بِضَمِّ الْيَاء , مِنْ أَسْبَتَ الْقَوْم يُسْبِتُونَ : إِذَا دَخَلُوا فِي السَّبْت , كَمَا يُقَال : أَجْمَعْنَا : مَرَّتْ بِنَا جُمُعَة , وَأَشْهَرْنَا : مَرَّ بِنَا شَهْر , وَأَسْبَتْنَا : مَرَّ بِنَا سَبْت . وَنُصِبَ " يَوْم " مِنْ قَوْله : { وَيَوْم لَا يَسْبِتُونَ } بِقَوْلِهِ : { لَا تَأْتِيهِمْ } , لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : لَا تَأْتِيهِمْ يَوْم لَا يَسْبِتُونَ .
" وَاسْأَلْهُمْ " أي: اسأل بني إسرائيل " عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ " أي: على ساحله, في حال تعديهم وعقاب اللّه إياهم.
" إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ " وكان اللّه تعالى قد أمرهم أن يعظموه ويحترموه ولا يصيدوا فيه صيدا, فابتلاهم اللّه, وامتحنهم.
فكانت " تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا " أي: كثيرة طافية على وجه البحر.
" وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ " أي: إذا ذهب يوم السبت " لَا تَأْتِيهِمْ " أي: تذهب في البحر, فلا يرون منها شيئا " كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ " .
ففسقهم, هو الذي أوجب أن يبتليهم اللّه, وأن تكون لهم هذه المحنة.
وإلا, فلو لم يفسقوا, لعافاهم اللّه, ولما عرضهم للبلاء والشر.
فتحيلوا على الصيد, فكانوا يحفرون لها حفرا, وينصبون لها الشباك.
فإذا جاءت يوم السبت, ووقعت في تلك الحفر والشباك, لم يأخذوها في ذلك اليوم.
فإذا جاء يوم الأحد, أخذوها, وكثر فيهم ذلك,
واسأل -أيها الرسول- هؤلاء اليهود عن خبر أهل القرية التي كانت بقرب البحر، إذ يعتدي أهلها في يوم السبت على حرمات الله، حيث أمرهم أن يعظموا يوم السبت ولا يصيدوا فيه سمكًا، فابتلاهم الله وامتحنهم؛ فكانت حيتانهم تأتيهم يوم السبت كثيرة طافية على وجه البحر، وإذا ذهب يوم السبت تذهب الحيتان في البحر، ولا يرون منها شيئًا، فكانوا يحتالون على حبسها في يوم السبت في حفائر، ويصطادونها بعده. وكما وصفنا لكم من الاختبار والابتلاء، لإظهار السمك على ظهر الماء في اليوم المحرم عليهم صيده فيه، وإخفائه عليهم في اليوم المحلل لهم فيه صيده، كذلك نختبرهم بسبب فسقهم عن طاعة الله وخروجهم عنها.
"وَاسْأَلْهُمْ" يَا مُحَمَّد تَوْبِيخًا "عَنْ الْقَرْيَة الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَة الْبَحْر" مُجَاوِرَة بَحْر الْقُلْزُم وَهِيَ أَيْلَة مَا وَقَعَ بِأَهْلِهَا "إذْ يَعْدُونَ" يَعْتَدُونَ "فِي السَّبْت" بِصَيْدِ السَّمَك الْمَأْمُورِينَ بِتَرْكِهِ فِيهِ "إذْ" ظَرْف لِيَعْدُونَ "تَأْتِيهِمْ حِيتَانهمْ يَوْم سَبْتهمْ شُرَّعًا" ظَاهِرَة عَلَى الْمَاء "وَيَوْم لَا يَسْبِتُونَ" لَا يُعَظِّمُونَ السَّبْت أَيْ سَائِر الْأَيَّام "لَا تَأْتِيهِمْ" ابْتِلَاء مِنْ اللَّه "كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ" وَلَمَّا صَادُوا السَّمَك افْتَرَقَتْ الْقَرْيَة أَثَلَاثًا ثُلُث صَادُوا مَعَهُمْ وَثُلُث نَهَوْهُمْ وَثُلُث أَمْسَكُوا عَنْ الصَّيْد وَالنَّهْي
هَذَا السِّيَاق هُوَ بَسْط لِقَوْلِهِ تَعَالَى " وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ الَّذِينَ اِعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْت " الْآيَة . يَقُول تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِ " وَاسْأَلْهُمْ " أَيْ وَاسْأَلْ هَؤُلَاءِ الْيَهُود الَّذِينَ بِحَضْرَتِك عَنْ قِصَّة أَصْحَابهمْ الَّذِينَ خَالَفُوا أَمْر اللَّه فَفَاجَأَتْهُمْ نِقْمَته عَلَى صَنِيعهمْ وَاعْتِدَائِهِمْ وَاحْتِيَالهمْ فِي الْمُخَالَفَة وَحَذَّرَ هَؤُلَاءِ مِنْ كِتْمَان صِفَتك الَّتِي يَجِدُونَهَا فِي كُتُبهمْ لِئَلَّا يَحِلّ بِهِمْ مَا حَلَّ بِإِخْوَانِهِمْ وَسَلَفهمْ وَهَذِهِ الْقَرْيَة هِيَ أَيْلَة وَهِيَ عَلَى شَاطِئ بَحْر الْقُلْزُم قَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ دَاوُدَ بْن الْحُصَيْن عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى " وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَة الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَة الْبَحْر " قَالَ هِيَ قَرْيَة يُقَال لَهَا أَيْلَة بَيْن مَدْيَن وَالطُّور وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَة وَمُجَاهِد وَقَتَادَة وَالسُّدِّيّ وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن كَثِير الْقَارِي سَمِعْنَا أَنَّهَا أَيْلَة وَقِيلَ هِيَ مَدْيَن وَهُوَ رِوَايَة عَنْ اِبْن عَبَّاس وَقَالَ اِبْن زَيْد هِيَ قَرْيَة يُقَال لَهَا مَعْتَا بَيْن مَدْيَن وَعَيْنُونَا وَقَوْله " إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْت" أَيْ يَعْتَدُونَ فِيهِ وَمُخَالِفُونَ أَمْر اللَّه فِيهِ لَهُمْ بِالْوَصَاةِ بِهِ إِذْ ذَاكَ " إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانهمْ يَوْم سَبْتهمْ شُرَّعًا " قَالَ الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْ ظَاهِرَة عَلَى الْمَاء وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس ظَاهِرَة مِنْ كُلّ مَكَان قَالَ اِبْن جَرِير وَقَوْله " وَيَوْم لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ " أَيْ نَخْتَبِرهُمْ بِإِظْهَارِ السَّمَك لَهُمْ عَلَى ظَهْر الْمَاء فِي الْيَوْم الْمُحَرَّم عَلَيْهِمْ صَيْده وَإِخْفَائِهَا عَنْهُمْ فِي الْيَوْم الْحَلَال لَهُمْ صَيْده " كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ" نَخْتَبِرهُمْ " بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ " يَقُول بِفِسْقِهِمْ عَنْ طَاعَة اللَّه وَخُرُوجهمْ عَنْهَا وَهَؤُلَاءِ قَوْم اِحْتَالُوا عَلَى اِنْتَهَاك مَحَارِم اللَّه بِمَا تَعَاطَوْا مِنْ الْأَسْبَاب الظَّاهِرَة الَّتِي مَعْنَاهَا فِي الْبَاطِن تَعَاطِي الْحَرَام وَقَدْ قَالَ الْفَقِيه الْإِمَام أَبُو عَبْد اللَّه بْن بَطَّة رَحِمَهُ اللَّه حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن سَلْم حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مُحَمَّد بْن الصَّبَّاح الزَّعْفَرَانِيّ حَدَّثَنَا يَزِيد بْن هَارُون حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " لَا تَرْتَكِبُوا مَا اِرْتَكَبَتْ الْيَهُود فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِم اللَّه بِأَدْنَى الْحِيَل " وَهَذَا إِسْنَاد جَيِّد فَإِنَّ أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن سَلْم هَذَا ذَكَرَهُ الْخَطِيب فِي تَارِيخه وَوَثَّقَهُ وَبَاقِي رِجَاله مَشْهُورُونَ ثِقَات وَيُصَحِّح التِّرْمِذِيّ بِمِثْلِ هَذَا الْإِسْنَاد كَثِيرًا .
أَيْ عَنْ أَهْل الْقَرْيَة ; فَعَبَّرَ عَنْهُمْ بِهَا لَمَّا كَانَتْ مُسْتَقَرًّا لَهُمْ أَوْ سَبَب اِجْتِمَاعهمْ . نَظِيره " وَاسْأَلْ الْقَرْيَة الَّتِي كُنَّا فِيهَا " [ يُوسُف : 82 ] . وَقَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( اِهْتَزَّ الْعَرْش لِمَوْتِ سَعْد بْن مُعَاذ ) يَعْنِي أَهْل الْعَرْش مِنْ الْمَلَائِكَة , فَرَحًا وَاسْتِبْشَارًا بِقُدُومِهِ , رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . أَيْ وَاسْأَلْ الْيَهُود الَّذِينَ هُمْ جِيرَانُك عَنْ أَخْبَار أَسْلَافِهِمْ وَمَا مَسَخَ اللَّه مِنْهُمْ قِرَدَة وَخَنَازِير . وَهَذَا سُؤَال تَقْرِير وَتَوْبِيخ . وَكَانَ ذَلِكَ عَلَامَة لِصِدْقِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; إِذْ أَطْلَعَهُ اللَّه عَلَى تِلْكَ الْأُمُور مِنْ غَيْر تَعَلُّم . وَكَانُوا يَقُولُونَ : نَحْنُ أَبْنَاء اللَّه وَأَحِبَّاؤُهُ , لِأَنَّا مِنْ سِبْط خَلِيله إِبْرَاهِيم , وَمِنْ سِبْط إِسْرَائِيل وَهُمْ بَكْر اللَّه , وَمِنْ سِبْط مُوسَى كَلِيم اللَّه ; وَمِنْ سِبْط وَلَده عُزَيْر , فَنَحْنُ مِنْ أَوْلَادهمْ . فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ : سَلْهُمْ يَا مُحَمَّد عَنْ الْقَرْيَة , أَمَا عَذَّبْتهمْ بِذُنُوبِهِمْ ; وَذَلِكَ بِتَغْيِيرِ فَرْع مِنْ فُرُوع الشَّرِيعَة . وَاخْتُلِفَ فِي تَعْيِين هَذِهِ الْقَرْيَة ; فَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَعِكْرِمَة وَالسُّدِّيّ : هِيَ أَيْلَة . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا أَنَّهَا مَدْيَن بَيْن أَيْلَة وَالطُّور . الزُّهْرِيّ : طَبَرِيَّة . قَتَادَة وَزَيْد بْن أَسْلَم : هِيَ سَاحِل مِنْ سَوَاحِل الشَّأْم , بَيْن مَدْيَن وَعَيْنُون , يُقَال لَهَا : مَقْنَاة . وَكَانَ الْيَهُود يَكْتُمُونَ هَذِهِ الْقِصَّة لِمَا فِيهَا مِنْ السُّبَّة عَلَيْهِمْ .


أَيْ كَانَتْ بِقُرْبِ الْبَحْر ; تَقُول : كُنْت بِحَضْرَةِ الدَّار أَيْ بِقُرْبِهَا .


أَيْ يَصِيدُونَ الْحِيتَان , وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ ; يُقَال : سَبَتَ الْيَهُود ; تَرَكُوا الْعَمَل فِي سَبْتِهِمْ . وَسَبَتَ الرَّجُل لِلْمَفْعُولِ سُبَاتًا أَخَذَهُ ذَلِكَ , مِثْل الْخَرَس . وَأَسْبَتَ سَكَنَ فَلَمْ يَتَحَرَّك . وَالْقَوْم صَارُوا فِي السَّبْت . وَالْيَهُود دَخَلُوا فِي السَّبْت , وَهُوَ الْيَوْم الْمَعْرُوف . وَهُوَ مِنْ الرَّاحَة وَالْقَطْع . وَيُجْمَع أَسْبُت وَسُبُوت وَأَسْبَات . وَفِي الْخَبَر عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَنْ اِحْتَجَمَ يَوْم السَّبْت فَأَصَابَهُ بَرَص فَلَا يَلُومَن إِلَّا نَفْسه ) . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَذَلِكَ لِأَنَّ الدَّم يَجْمُد يَوْم السَّبْت , فَإِذَا مَدَدْته لِتَسْتَخْرِجَهُ لَمْ يَجْرِ وَعَادَ بَرَصًا . وَقِرَاءَة الْجَمَاعَة " يَعْدُونَ " . وَقَرَأَ أَبُو نَهِيك " يُعِدُّونَ " بِضَمِّ الْيَاء وَكَسْر الْعَيْن وَشَدّ الدَّال . الْأُولَى مِنْ الِاعْتِدَاء وَالثَّانِيَة مِنْ الْإِعْدَاد ; أَيْ يُهَيِّئُونَ الْآلَة لِأَخْذِهَا . وَقَرَأَ اِبْن السَّمَيْقَع " فِي الْأَسْبَات " عَلَى جَمْع السَّبْت .


وَقُرِئَ " أَسْبَاتِهِمْ " .



أَيْ شَوَارِع ظَاهِرَة عَلَى الْمَاء كَثِيرَة . وَقَالَ اللَّيْث : حِيتَان شُرَّع رَافِعَة رُءُوسهَا . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَنَّ حِيتَان الْبَحْر كَانَتْ تَرِد يَوْم السَّبْت عُنُقًا مِنْ الْبَحْر فَتُزَاحِم أَيْلَة . أَلْهَمَهَا اللَّه تَعَالَى أَنَّهَا لَا تُصَاد يَوْم السَّبْت ; لِنَهْيِهِ تَعَالَى الْيَهُود عَنْ صَيْدِهَا . وَقِيلَ : إِنَّهَا كَانَتْ تَشْرَع عَلَى أَبْوَابِهِمْ ; كَالْكِبَاشِ الْبِيض رَافِعَة رُءُوسَهَا . حَكَاهُ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ ; فَتَعْدُو فَأَخَذُوهَا فِي السَّبْت ; قَالَهُ الْحَسَن . وَقِيلَ : يَوْم الْأَحَد , وَهُوَ الْأَصَحّ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه .


أَيْ لَا يَفْعَلُونَ السَّبْت ; يُقَال : سَبَتَ يَسْبِت إِذَا عَظَّمَ السَّبْت . وَقَرَأَ الْحَسَن " يُسْبِتُونَ " بِضَمِّ الْيَاء , أَيْ يَدْخُلُونَ فِي السَّبْت ; كَمَا يُقَال : أَجْمَعْنَا وَأَظْهَرْنَا وَأَشْهَرْنَا , أَيْ دَخَلْنَا فِي الْجُمُعَة وَالظُّهْر وَالشَّهْر .


أَيْ حِيتَانهمْ .



أَيْ نُشَدِّدُ عَلَيْهِمْ فِي الْعِبَادَة وَنَخْتَبِرهُمْ . وَالْكَاف فِي مَوْضِع نَصْب .


أَيْ بِفِسْقِهِمْ . وَسُئِلَ الْحُسَيْن بْن الْفَضْل : هَلْ تَجِد فِي كِتَاب اللَّه الْحَلَال لَا يَأْتِيك إِلَّا قُوتًا , وَالْحَرَام يَأْتِيك جَزْفًا جَزْفًا ؟ قَالَ : نَعَمْ , فِي قِصَّة دَاوُد وَأَيْلَة " إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانهمْ يَوْم سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْم لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ " . وَرُوِيَ فِي قَصَص هَذِهِ الْآيَة أَنَّهَا كَانَتْ فِي زَمَن دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام , وَأَنَّ إِبْلِيس أَوْحَى إِلَيْهِمْ فَقَالَ : إِنَّمَا نُهِيتُمْ عَنْ أَخْذِهَا يَوْم السَّبْت , فَاتَّخِذُوا الْحِيَاض ; فَكَانُوا يَسُوقُونَ الْحِيتَان إِلَيْهَا يَوْم الْجُمْعَة فَتَبْقَى فِيهَا , فَلَا يُمْكِنهَا الْخُرُوج مِنْهَا لِقِلَّةِ الْمَاء , فَيَأْخُذُونَهَا يَوْم الْأَحَد . وَرَوَى أَشْهَب عَنْ مَالِك قَالَ : زَعَمَ اِبْن رُومَان أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذ الرَّجُل خَيْطًا وَيَضَع فِيهِ وَهَقَة , وَأَلْقَاهَا فِي ذَنَب الْحُوت , وَفِي الطَّرَف الْآخَر مِنْ الْخَيْط وَتِد وَتَرَكَهُ كَذَلِكَ إِلَى الْأَحَد , ثُمَّ تَطَرَّقَ النَّاس حِين رَأَوْا مَنْ صَنَعَ هَذَا لَا يُبْتَلَى حَتَّى كَثُرَ صَيْد الْحُوت , وَمُشِيَ بِهِ فِي الْأَسْوَاق , وَأَعْلَنَ الْفَسَقَة بِصَيْدِهِ ; فَقَامَتْ فِرْقَة مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل وَنَهَتْ , وَجَاهَرَتْ بِالنَّهْيِ وَاعْتَزَلَتْ . وَقِيلَ : إِنَّ النَّاهِينَ قَالُوا : لَا نُسَاكِنُكُمْ ; فَقَسَمُوا الْقَرْيَة بِجِدَارٍ . فَأَصْبَحَ النَّاهُونَ ذَات يَوْم فِي مَجَالِسِهِمْ وَلَمْ يَخْرُج مِنْ الْمُعْتَدِينَ أَحَد , فَقَالُوا : إِنَّ لِلنَّاسِ لَشَأْنًا ; فَعَلَوْا عَلَى الْجِدَار فَنَظَرُوا فَإِذَا هُمْ قِرَدَة ; فَفَتَحُوا الْبَاب وَدَخَلُوا عَلَيْهِمْ , فَعَرَفَتْ الْقِرَدَة أَنْسَابهَا مِنْ الْإِنْس , وَلَمْ تَعْرِف الْإِنْس أَنْسَابَهُمْ مِنْ الْقِرَدَة ; فَجَعَلَتْ الْقِرَدَة تَأْتِي نَسِيبَهَا مِنْ الْإِنْس فَتَشُمُّ ثِيَابَهُ وَتَبْكِي ; فَيَقُول : أَلَمْ نَنْهَكُمْ ! فَتَقُول بِرَأْسِهَا نَعَمْ . قَالَ قَتَادَة : صَارَ الشُّبَّان قِرَدَة وَالشُّيُوخ خَنَازِير , فَمَا نَجَا إِلَّا الَّذِينَ نَهَوْا وَهَلَكَ سَائِرهمْ . فَعَلَى هَذَا الْقَوْل إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيل لَمْ تَفْتَرِق إِلَّا فِرْقَتَيْنِ . وَيَكُون الْمَعْنَى فِي قَوْله تَعَالَى
مشاركة الموضوع