أَيْ الْخِصْب وَالسَّعَة .
أَيْ أُعْطِينَاهَا بِاسْتِحْقَاقٍ .
أَيْ قَحْط وَمَرَض
أَيْ يَتَشَاءَمُوا بِهِ . نَظِيره " وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَة يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدك " [ النِّسَاء : 78 ] . وَالْأَصْل " يَتَطَيَّرُوا " أُدْغِمَتْ التَّاء فِي الطَّاء . وَقَرَأَ طَلْحَة : " تَطَيَّرُوا " عَلَى أَنَّهُ فِعْل مَاضٍ . وَالْأَصْل فِي هَذَا مِنْ الطِّيَرَة وَزَجْر الطَّيْر , ثُمَّ كَثُرَ اِسْتِعْمَالهمْ حَتَّى قِيلَ لِكُلِّ مَنْ تَشَاءَمَ : تَطَيَّرَ . وَكَانَتْ الْعَرَب تَتَيَمَّن بِالسَّانِحِ : وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي مِنْ نَاحِيَة الْيَمِين . وَتَتَشَاءَم بِالْبَارِحِ : وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي مِنْ نَاحِيَة الشِّمَال . وَكَانُوا يَتَطَيَّرُونَ أَيْضًا بِصَوْتِ الْغُرَاب ; وَيَتَأَوَّلُونَهُ الْبَيْن . وَكَانُوا يَسْتَدِلُّونَ بِمُجَاوَبَاتِ الطُّيُور بَعْضهَا بَعْضًا عَلَى أُمُور , وَبِأَصْوَاتِهَا فِي غَيْر أَوْقَاتهَا الْمَعْهُودَة عَلَى مِثْل ذَلِكَ . وَهَكَذَا الظِّبَاء إِذَا مَضَتْ سَانِحَة أَوْ بَارِحَة , وَيَقُولُونَ إِذَا بَرِحَتْ : " مَنْ لِي بِالسَّانِحِ بَعْد الْبَارِح " . إِلَّا أَنَّ أَقْوَى مَا عِنْدهمْ كَانَ يَقَع فِي جَمِيع الطَّيْر ; فَسَمَّوْا الْجَمِيع تَطَيُّرًا مِنْ هَذَا الْوَجْه . وَتَطَيَّرَ الْأَعَاجِم إِذَا رَأَوْا صَبِيًّا يُذْهَب بِهِ إِلَى الْعِلْم بِالْغَدَاةِ , وَيَتَيَمَّنُونَ بِرُؤْيَةِ صَبِيّ يَرْجِع مِنْ عِنْد الْمُعَلِّم إِلَى بَيْته , وَيَتَشَاءَمُونَ بِرُؤْيَةِ السِّقَاء عَلَى ظَهْره قِرْبَة مَمْلُوءَة مَشْدُودَة , وَيَتَيَمَّنُونَ بِرُؤْيَةِ فَارِغ السِّقَاء مَفْتُوحَة قِرْبَته ; وَيَتَشَاءَمُونَ بِالْحَمَّالِ الْمُثْقَل بِالْحِمْلِ , وَالدَّابَّة الْمُوقَرَة , وَيَتَيَمَّنُونَ بِالْحَمَّالِ الَّذِي وَضَعَ حِمْله , وَبِالدَّابَّةِ يُحَطّ عَنْهَا ثِقْلهَا . فَجَاءَ الْإِسْلَام بِالنَّهْيِ عَنْ التَّطَيُّر وَالتَّشَاؤُم بِمَا يُسْمَع مِنْ صَوْت طَائِر مَا كَانَ , وَعَلَى أَيّ حَال كَانَ ; فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( أَقِرُّوا الطَّيْر عَلَى مَكِنَاتِهَا ) . وَذَلِكَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْل الْجَاهِلِيَّة كَانَ إِذَا أَرَادَ الْحَاجَة أَتَى الطَّيْر فِي وَكْرِهَا فَنَفَّرَهَا ; فَإِذَا أَخَذَتْ ذَات الْيَمِين مَضَى لِحَاجَتِهِ , وَهَذَا هُوَ السَّانِح عِنْدهمْ . وَإِنْ أَخَذَتْ ذَات الشِّمَال رَجَعَ , وَهَذَا هُوَ الْبَارِح عِنْدهمْ . فَنَهَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذَا بِقَوْلِهِ : ( أَقِرُّوا الطَّيْر عَلَى مَكِنَاتهَا ) هَكَذَا فِي الْحَدِيث . وَأَهْل الْعَرَبِيَّة يَقُولُونَ : ( وُكُنَاتهَا ) قَالَ اِمْرُؤُ الْقِيس : وَقَدْ أَغْتَدِي وَالطَّيْر فِي وُكُنَاتهَا وَالْوُكْنَة : اِسْم لِكُلِّ وَكْر وَعُشّ . وَالْوَكْن : مَوْضِع الطَّائِر الَّذِي يَبِيض فِيهِ وَيُفْرِخ , وَهُوَ الْخِرَق فِي الْحِيطَان وَالشَّجَر . وَيُقَال : وَكَنَ الطَّائِر يَكِنّ وُكُونًا إِذَا حِضْنَ بَيْضه . وَكَانَ أَيْضًا مِنْ الْعَرَب مَنْ لَا يَرَى التَّطَيُّر شَيْئًا , وَيَمْدَحُونَ مَنْ كَذَّبَ بِهِ . قَالَ الْمُرَقَّش : وَلَقَدْ غَدَوْت وَكُنْت لَا أَغْدُو عَلَى وَاقٍ وَحَاتِم فَإِذَا الْأَشَائِم كَالْأَيَا مِنِ وَالْأَيَامِنُ كَالْأَشَائِم وَقَالَ عِكْرِمَة : كُنْت عِنْد اِبْن عَبَّاس فَمَرَّ طَائِر يَصِيح ; فَقَالَ رَجُل مِنْ الْقَوْم : خَيْر , خَيْر . فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : مَا عِنْد هَذَا لَا خَيْر وَلَا شَرّ . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَأَمَّا أَقْوَال الطَّيْر فَلَا تَعَلُّق لَهَا بِمَا يُجْعَل دَلَالَة عَلَيْهِ , وَلَا لَهَا عِلْم بِكَائِنٍ فَضْلًا عَنْ مُسْتَقْبَل فَتُخْبِر بِهِ , وَلَا فِي النَّاس مَنْ يَعْلَم مَنْطِق الطَّيْر ; إِلَّا مَا كَانَ اللَّه تَعَالَى خَصَّ بِهِ سُلَيْمَان صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ , فَالْتَحَقَ التَّطَيُّر بِجُمْلَةِ الْبَاطِل . وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَحَلَّمَ أَوْ تَكَهَّنَ أَوْ رَدَّهُ عَنْ سَفَره تَطَيُّرٌ ) . وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( الطِّيَرَة شِرْك - ثَلَاثًا - وَمَا مِنَّا إِلَّا وَلَكِنَّ اللَّه يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ ) . وَرَوَى عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاص عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ رَجَّعَتْهُ الطِّيَرَةُ عَنْ حَاجَتِهِ فَقَدْ أَشْرَكَ ) . قِيلَ : وَمَا كَفَّارَة ذَلِكَ يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : ( أَنْ يَقُول أَحَدُهُمْ اللَّهُمَّ لَا طَيْر إِلَّا طَيْرك وَلَا خَيْر إِلَّا خَيْرك وَلَا إِلَه غَيْرك ثُمَّ يَمْضِي لِحَاجَتِهِ ) . وَفِي خَبَر آخَر : ( إِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا أَنْتَ وَلَا يَذْهَب بِالسَّيِّئَاتِ إِلَّا أَنْتَ لَا حَوْل وَلَا قُوَّة إِلَّا بِك ) . ثُمَّ يَذْهَب مُتَوَكِّلًا عَلَى اللَّه ; فَإِنَّ اللَّه يَكْفِيه مَا وَجَدَ فِي نَفْسه مِنْ ذَلِكَ , وَكَفَاهُ اللَّه تَعَالَى مَا يُهِمّهُ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْمَائِدَة " الْفَرْق بَيْن الْفَأْل وَالطِّيَرَة .
وَقَرَأَ الْحَسَن " طَيْرهمْ " جَمْع طَائِر . أَيْ مَا قُدِّرَ لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ .
أَنَّ مَا لَحِقَهُمْ مِنْ الْقَحْط وَالشَّدَائِد إِنَّمَا هُوَ مِنْ عِنْد اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِذُنُوبِهِمْ لَا مِنْ عِنْد مُوسَى وَقَوْمه .