تفسير الطبري

سورة الأعراف الآية ١٢٧

وَقَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُۥ لِيُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ ۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْىِۦ نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَٰهِرُونَ ﴿١٢٧﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقَالَ الْمَلَأ مِنْ قَوْم فِرْعَوْن أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمه لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْض وَيَذَرك وَآلِهَتك } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَقَالَتْ جَمَاعَة رِجَال مِنْ قَوْم فِرْعَوْن لِفِرْعَوْن : أَتَدَعُ مُوسَى وَقَوْمه مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْض , يَقُول : كَيْ يُفْسِدُوا خَدَمَك وَعَبِيدك عَلَيْك فِي أَرْضك مِنْ مِصْر , { وَيَذَرك وَآلِهَتك } يَقُول : وَيَذَرك : وَيَدَع خِدْمَتك مُوسَى , وَعِبَادَتك وَعِبَادَة آلِهَتك . وَفِي قَوْله : { وَيَذَرك وَآلِهَتك } وَجْهَانِ مِنْ التَّأْوِيل : أَحَدهمَا أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمه لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْض وَقَدْ تَرَكَك وَتَرَكَ عِبَادَتك وَعِبَادَة آلِهَتك ؟ وَإِذَا وُجِّهَ الْكَلَام إِلَى هَذَا الْوَجْه مِنْ التَّأْوِيل كَانَ النَّصْب فِي قَوْله : { وَيَذَرك } عَلَى الصَّرْف , لَا عَلَى الْعَطْف بِهِ عَلَى قَوْله " لِيُفْسِدُوا " . وَالثَّانِي : أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمه لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْض وَلِيَذَرك وَآلِهَتك ; كَالتَّوْبِيخِ مِنْهُمْ لِفِرْعَوْن عَلَى تَرْك مُوسَى لِيَفْعَل هَذَيْنِ الْفِعْلَيْنِ . وَإِذَا وُجِّهَ الْكَلَام إِلَى هَذَا الْوَجْه كَانَ نَصْب : { وَيَذَرك } عَلَى الْعَطْف عَلَى { لِيُفْسِدُوا } وَالْوَجْه الْأَوَّل أَوْلَى الْوَجْهَيْنِ بِالصَّوَابِ , وَهُوَ أَنْ يَكُون نُصِبَ : { وَيَذَرك } عَلَى الصَّرْف , لِأَنَّ التَّأْوِيل مِنْ أَهْل التَّأْوِيل بِهِ جَاءَ . وَبَعْد , فَإِنَّ فِي قِرَاءَة أُبَيّ بْن كَعْب الَّذِي : 11619 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن يُوسُف , قَالَ : ثنا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا حَجَّاج عَنْ هَارُون , قَالَ : فِي حَرْف أُبَيّ بْن كَعْب : وَقَدْ تَرَكُوك أَنْ يَعْبُدُوك وَآلِهَتك " دَلَالَة وَاضِحَة عَلَى أَنَّ نَصْب ذَلِكَ عَلَى الصَّرْف. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ ذَلِكَ : { وَيَذَرك وَآلِهَتك } عَطْفًا بِقَوْلِهِ : { وَيَذَرك } عَلَى قَوْله : { أَتَذَرُ مُوسَى } كَأَنَّهُ وَجَّهَ تَأْوِيله إِلَى : أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمه وَيَذَرك وَآلِهَتك لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْض ؟ وَقَدْ تَحْتَمِل قِرَاءَة الْحَسَن هَذِهِ أَنْ يَكُون مَعْنَاهَا : أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمه لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْض وَهُوَ يَذَرك وَآلِهَتك ؟ فَيَكُون " يَذَرك " مَرْفُوعًا عَلَى اِبْتِدَاء الْكَلَام . وَأَمَّا قَوْله : { وَآلِهَتك } فَإِنَّ قُرَّاء الْأَمْصَار عَلَى فَتْح الْأَلِف مِنْهَا وَمَدّهَا , بِمَعْنَى : وَقَدْ تَرَكَ مُوسَى عِبَادَتك وَعِبَادَة آلِهَتك الَّتِي تَعْبُدهَا . وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ كَانَ لَهُ بَقَرَة يَعْبُدهَا . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد أَنَّهُمَا كَانَا يَقْرَآنِهَا : " وَيَذَرك وَإِلَاهَتك " بِكَسْرِ الْأَلِف , بِمَعْنَى : وَيَذَرك وَعُبُودَتك . وَالْقِرَاءَة الَّتِي لَا نَرَى الْقِرَاءَة بِغَيْرِهَا , هِيَ الْقِرَاءَة الَّتِي عَلَيْهَا قُرَّاء الْأَمْصَار لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنْ الْقُرَّاء عَلَيْهَا. ذِكْر مَنْ قَالَ : كَانَ فِرْعَوْن يَعْبُد آلِهَة عَلَى قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ : { وَيَذَرك وَآلِهَتك } : 11620 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَيَذَرك وَآلِهَتك } وَآلِهَته فِيمَا زَعَمَ اِبْن عَبَّاس , كَانَتْ الْبَقَرَة كَانُوا إِذَا رَأَوْا بَقَرَة حَسْنَاء أَمَرَهُمْ أَنْ يَعْبُدُوهَا , فَلِذَلِكَ أَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا وَبَقَرَة . 11621 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَبُو سُفْيَان , عَنْ عَمْرو , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : كَانَ لِفِرْعَوْن جُمَانَة مُعَلَّقَة فِي نَحْره يَعْبُدهَا وَيَسْجُد لَهَا. 11622 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ , قَالَ : ثنا أَبَان بْن خَالِد , قَالَ : سَمِعْت الْحَسَن يَقُول : بَلَغَنِي أَنَّ فِرْعَوْن كَانَ يَعْبُد إِلَهًا فِي السِّرّ. وَقَرَأَ : " وَيَذَرك وَآلِهَتَكَ " . * حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سِنَان , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ أَبِي بَكْر , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : كَانَ لِفِرْعَوْن إِلَه يَعْبُدهُ فِي السِّرّ . ذِكْر مَنْ قَالَ مَعْنَى ذَلِكَ : وَيَذَرك وَعِبَادَتك , عَلَى قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ : " وَإِلَاهَتك " : 11623 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا اِبْن عُيَيْنَة , عَنْ عَمْرو بْن دِينَار , عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو , عَنْ الْحَسَن , عَنْ اِبْن عَبَّاس : " وَيَذَرك وَإِلَاهَتك " قَالَ : إِنَّمَا كَانَ فِرْعَوْن يُعْبَد وَلَا يَعْبُد. * قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ نَافِع , عَنْ اِبْن عُمَر , عَنْ عَمْرو بْن دِينَار , عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَرَأَ : " وَيَذَرك وَإِلَاهَتك " قَالَ : وَعِبَادَتك , وَيَقُول إِنَّهُ كَانَ يُعْبَد وَلَا يَعْبُد . 11624 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : " وَيَذَرك وَإِلَاهَتك " قَالَ : يَتْرُك عِبَادَتك . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل عَنْ عَمْرو بْن دِينَار , عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ : " وَإِلَاهَتك " يَقُول : وَعِبَادَتك . 11625 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : " وَيَذَرك وَإِلَاهَتك " قَالَ : عِبَادَتك . * حَدَّثَنَا سَعِيد بْن الرَّبِيع الرَّازِيّ , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ عَمْرو بْن دِينَار , عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حُسَيْن , عَنْ اِبْن عَبَّاس , أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ : " وَيَذَرك وَإِلَاهَتك " وَقَالَ : إِنَّمَا كَانَ فِرْعَوْن يَعْبُد وَلَا يُعْبَد . وَقَدْ زَعَمَ بَعْضهمْ : أَنَّ مَنْ قَرَأَ : " وَإِلَاهَتك " إِنَّمَا يَقْصِد إِلَى نَحْو مَعْنَى قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ : { وَآلِهَتك } غَيْر أَنَّهُ أَنَّثَ وَهُوَ يُرِيد إِلَهًا وَاحِدًا , كَأَنَّهُ يُرِيد " وَيَذَرك وَإِلَهك " ثُمَّ أَنَّثَ الْإِلَه فَقَالَ : " وَإِلَاهَتك " . وَذَكَرَ بَعْض الْبَصْرِيِّينَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا سُئِلَ عَنْ الْإِلَاهَة فَقَالَ : " هِيَ عَلَمَة " يُرِيد عَلَمًا , فَأَنَّثَ " الْعَلَمَ " , فَكَأَنَّهُ شَيْء نُصِبَ لِلْعِبَادَةِ يُعْبَد . وَقَدْ قَالَتْ بِنْت عُتَيْبَة بْن الْحَارِث الْيَرْبُوعَيّ : تَرَوَّحْنَا مِنْ اللَّعْبَاء عَصْرًا وَأَعْجَلْنَا الْإِلَاهَة أَنْ تَئُوبَا يَعْنِي بِالْإِلَاهَةِ فِي هَذَا الْمَوْضِع : الشَّمْس . وَكَأَنَّ هَذَا الْمُتَأَوِّل هَذَا التَّأْوِيل , وَجَّهَ الْإِلَاهَة إِذَا أُدْخِلَتْ فِيهَا هَاء التَّأْنِيث , وَهُوَ يُرِيد وَاحِد الْآلِهَة , إِلَى نَحْو إِدْخَالهمْ الْهَاء فِي وِلْدَتِي وَكَوْكَبَتِي وَمَاءَتِي , وَهُوَ أَهْلَة ذَاكَ , وَكَمَا قَالَ الرَّاجِز : يَا مُضَر الْحَمْرَاء أَنْتِ أُسْرَتِي وَأَنْتِ مَلْجَاتِي وَأَنْتِ ظَهْرَتِي يُرِيد : ظَهْرِي . وَقَدْ بَيَّنَ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد مَا أَرَادَا مِنْ الْمَعْنَى فِي قِرَاءَتهمَا ذَلِكَ عَلَى مَا قَرَآ , فَلَا وَجْه لِقَوْلِ هَذَا الْقَائِل مَا قَالَ مَعَ بَيَانهمَا عَنْ أَنْفُسهمَا مَا ذَهَبَا إِلَيْهِ مِنْ مَعْنَى ذَلِكَ .

وَقَوْله : { قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ } يَقُول : قَالَ فِرْعَوْن : سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ الذُّكُور مِنْ أَوْلَاد بَنِي إِسْرَائِيل .

{ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ } يَقُول : وَنَسْتَبْقِي إِنَاثهمْ .

{ وَإِنَّا فَوْقهمْ قَاهِرُونَ } يَقُول : وَإِنَّا عَالُونَ عَلَيْهِمْ بِالْقَهْرِ , يَعْنِي بِقَهْرِ الْمُلْك وَالسُّلْطَان . وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ كُلّ شَيْء عَالٍ بِقَهْرٍ وَغَلَبَة عَلَى شَيْء , فَإِنَّ الْعَرَب تَقُول : هُوَ فَوْقه .
هذا, وفرعون وملأه, وعامتهم المتبعون للملأ, قد استكبروا عن آيات اللّه, وجحدوا بها, ظلما وعلوا, وقالوا لفرعون مهيجين له على الإيقاع بموسى, وزاعمين أن ما جاء به باطل وفساد: " أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ " بالدعوة إلى اللّه, وإلى مكارم الأخلاق, ومحاسن الأعمال, التي هي الصلاح في الأرض, وما هم عليه هو الفساد, ولكن الظالمين لا يبالون بما يقولون.
" وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ " أي يدعك أنت وآلهتك, وينهى عنك, ويصد الناس عن اتباعك.
" قَالَ " فرعون مجيبا لهم, بأنه سيدع بني إسرائيل مع موسى, بحالة لا ينمون فيها, ويأمن فرعون وقومه - بزعمه - من ضررهم: " سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ " أي: نستبقيهن فلا نقتلهن, فإذا فعلنا ذلك, أمنا من كثرتهم, وكنا مستخدمين لباقيهم, ومسخرين لهم على ما نشاء من الأعمال.
" وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ " لا خروج لهم عن حكمنا, ولا قدرة, وهذا نهاية الجبروت والعتو والقسوة من فرعون.
وقال السادة والكبراء من قوم فرعون لفرعون: أَتَدَعُ موسى وقومه من بني إسرائيل ليفسدوا الناس في أرض "مصر" بتغيير دينهم بعبادة الله وحده لا شريك له، وترك عبادتك وعبادة آلهتك؟ قال فرعون: سنُقَتِّل أبناء بني إسرائيل ونستبقي نساءهم أحياء للخدمة، وإنَّا عالون عليهم بقهر المُلْكِ والسلطان.
"وَقَالَ الْمَلَأ مِنْ قَوْم فِرْعَوْن" لَهُ "أَتَذَرُ" تَتْرُك "مُوسَى وَقَوْمه لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْض" بِالدُّعَاءِ إلَى مُخَالَفَتك "وَيَذَرك وَآلِهَتك" وَكَانَ صَنَعَ لَهُمْ أَصْنَامًا صِغَارًا يَعْبُدُونَهَا وَقَالَ أَنَا رَبّكُمْ . وَرَبّهَا وَلِذَا قَالَ أَنَا رَبّكُمْ الْأَعْلَى "قَالَ سَنُقَتِّلُ" بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف "أَبْنَاءَهُمْ" الْمَوْلُودِينَ "وَنَسْتَحْيي" نَسْتَبْقِي "نِسَاءَهُمْ" كَفِعْلِنَا بِهِمْ مِنْ قَبْل "وَإِنَّا فَوْقهمْ قَاهِرُونَ" قَادِرُونَ فَفَعَلُوا بِهِمْ ذَلِكَ فَشَكَا بَنُو إسْرَائِيل
يُخْبِر تَعَالَى عَمَّا تَمَالَأَ عَلَيْهِ فِرْعَوْن وَمَلَؤُهُ وَمَا أَضْمَرُوهُ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام وَقَوْمه مِنْ الْأَذَى وَالْبِغْضَة " وَقَالَ الْمَلَأ مِنْ قَوْم فِرْعَوْن " أَيْ لِفِرْعَوْن " أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمه" أَيْ أَتَدَعُهُمْ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْض أَيْ يُفْسِدُوا أَهْل رَعِيَّتك وَيَدْعُوهُمْ إِلَى عِبَادَة رَبّهمْ دُونك . يَا لَلَّه الْعَجَب صَارَ هَؤُلَاءِ يُشْفِقُونَ مِنْ إِفْسَاد مُوسَى وَقَوْمه ! أَلَا إِنَّ فِرْعَوْن وَقَوْمه هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ وَلِهَذَا قَالُوا " وَيَذَرك وَآلِهَتك " قَالَ بَعْضهمْ الْوَاو هَاهُنَا حَالِيَّة أَيْ أَتَذَرُهُ وَقَوْمه يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض وَقَدْ تَرَكَ عِبَادَتك ؟ وَقَرَأَ ذَلِكَ أُبَيّ بْن كَعْب وَقَدْ تَرَكُوك أَنْ يَعْبُدُوك وَآلِهَتك حَكَاهُ اِبْن جَرِير وَقَالَ آخَرُونَ هِيَ عَاطِفَة أَيْ أَتَدَعُهُمْ يَصْنَعُونَ فِي الْفَسَاد مَا قَدْ أَقْرَرْتهمْ عَلَيْهِ وَعَلَى تَرْك آلِهَتك وَقَرَأَ بَعْضهمْ إِلَاهَتك أَيْ عِبَادَتك وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَغَيْره وَعَلَى الْقِرَاءَة الْأُولَى قَالَ بَعْضهمْ : كَانَ لِفِرْعَوْن إِلَه يَعْبُدهُ قَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ كَانَ لِفِرْعَوْن إِلَه يَعْبُدهُ فِي السِّرّ . وَقَالَ فِي رِوَايَة أُخْرَى كَانَ لَهُ حَنَّانَة فِي عُنُقه مُعَلَّقَة يَسْجُد لَهَا . وَقَالَ السُّدِّيّ فِي قَوْله تَعَالَى " وَيَذَرك وَآلِهَتك " وَآلِهَته فِيمَا زَعَمَ اِبْن عَبَّاس كَانُوا إِذَا رَأَوْا بَقَرَة حَسْنَاء أَمَرَهُمْ فِرْعَوْن أَنْ يَعْبُدُوهَا فَلِذَلِكَ أَخْرَجَ لَهُمْ السَّامِرِيّ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَار. فَأَجَابَهُمْ فِرْعَوْن فِيمَا سَأَلُوهُ بِقَوْلِهِ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَهَذَا أَمْر ثَانٍ بِهَذَا الصَّنِيع وَقَدْ كَانَ نَكَّلَ بِهِمْ قَبْل وِلَادَة مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام حَذَرًا مِنْ وُجُوده فَكَانَ خِلَاف مَا أَرَادَ وَضِدّ مَا قَصَدَهُ فِرْعَوْن وَهَكَذَا عُومِلَ فِي صَنِيعه أَيْضًا لَمَّا أَرَادَ إِذْلَال بَنِي إِسْرَائِيل وَقَهْرهُمْ فَجَاءَ الْأَمْر عَلَى خِلَاف مَا أَرَادَ . أَعَزَّهُمْ اللَّه وَأَذَلَّهُ وَأَرْغَمَ أَنْفه وَأَغْرَقَهُ وَجُنُوده .
أَيْ بِإِيقَاعِ الْفُرْقَة وَتَشْتِيت الشَّمْل . " وَيَذَرَك " بِنَصْبِ الرَّاء جَوَاب الِاسْتِفْهَام , وَالْوَاو نَائِبَة عَنْ الْفَاء . " وَآلِهَتك " قَالَ الْحَسَن : كَانَ فِرْعَوْن يَعْبُد الْأَصْنَام , فَكَانَ يَعْبُد وَيُعْبَد . قَالَ سُلَيْمَان التَّيْمِيّ : بَلَغَنِي أَنَّ فِرْعَوْن كَانَ يَعْبُد الْبَقَر . قَالَ التَّيْمِيّ : فَقُلْت لِلْحَسَنِ هَلْ كَانَ فِرْعَوْن يَعْبُد شَيْئًا ؟ قَالَ نَعَمْ ; إِنَّهُ كَانَ يَعْبُد شَيْئًا كَانَ قَدْ جُعِلَ فِي عُنُقه . وَقِيلَ : مَعْنَى " وَآلِهَتك " أَيْ وَطَاعَتك , كَمَا قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى : " اِتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُون اللَّه " [ التَّوْبَة : 31 ] إِنَّهُمْ مَا عَبَدُوهُمْ وَلَكِنْ أَطَاعُوهُمْ ; فَصَارَ تَمْثِيلًا . وَقَرَأَ نُعَيْم بْن مَيْسَرَة " وَيَذَرُك " بِالرَّفْعِ عَلَى تَقْدِير وَهُوَ يَذَرُك . وَقَرَأَ الْأَشْهَب الْعُقَيْلِيّ " وَيَذَرْك " مَجْزُومًا مُخَفَّف يَذَرك لِثِقَلِ الضَّمَّة . وَقَرَأَ أَنَس بْن مَالِك " وَنَذَرُك " بِالرَّفْعِ وَالنُّون . أَخْبَرُوا عَنْ أَنْفُسهمْ أَنَّهُمْ يَتْرُكُونَ عِبَادَته إِنْ تَرَكَ مُوسَى حَيًّا . وَقَرَأَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب وَابْن عَبَّاس وَالضَّحَّاك " وَإِلَاهَتك " وَمَعْنَاهُ وَعِبَادَتك . وَعَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَة كَانَ يَعْبُد وَلَا يُعْبَد , أَيْ وَيَتْرُك عِبَادَته لَك . قَالَ أَبُو بَكْر الْأَنْبَارِيّ : فَمِنْ مَذْهَب أَصْحَاب هَذِهِ الْقِرَاءَة أَنَّ فِرْعَوْن لَمَّا قَالَ " أَنَا رَبّكُمْ الْأَعْلَى " [ النَّازِعَات : 24 ] وَ " مَا عَلِمْت لَكُمْ مِنْ إِلَه غَيْرِي " [ الْقَصَص : 38 ] نَفَى أَنْ يَكُون لَهُ رَبّ وَإِلَاهَة . فَقِيلَ لَهُ : وَيَذَرك وَإِلَاهَتك ; بِمَعْنَى وَيَتْرُكك وَعِبَادَة النَّاس لَك . وَقِرَاءَة الْعَامَّة " وَآلِهَتك " كَمَا تَقَدَّمَ , وَهِيَ مَبْنِيَّة عَلَى أَنَّ فِرْعَوْن اِدَّعَى الرُّبُوبِيَّة فِي ظَاهِر أَمْرِهِ وَكَانَ يَعْلَم أَنَّهُ مَرْبُوب . وَدَلِيل هَذَا قَوْله عِنْد حُضُور الْحَمَّام " آمَنْت أَنَّهُ لَا إِلَه إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيل " [ يُونُس : 90 ] فَلَمْ يُقْبَل هَذَا الْقَوْل مِنْهُ لَمَّا أَتَى بِهِ بَعْد إِغْلَاق بَاب التَّوْبَة . وَكَانَ قَبْل هَذَا الْحَال لَهُ إِلَه يَعْبُدهُ سِرًّا دُون رَبّ الْعَالَمِينَ جَلَّ وَعَزَّ ; قَالَهُ الْحَسَن وَغَيْره . وَفِي حَرْف أُبَيّ " أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمه لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْض وَقَدْ تَرَكُوك أَنْ يَعْبُدُوك " . وَقِيلَ : " وَإِلَاهَتك " قِيلَ : كَانَ يَعْبُد بَقَرَة , وَكَانَ إِذَا اِسْتَحْسَنَ بَقَرَة أَمَرَ بِعِبَادَتِهَا , وَقَالَ : أَنَا رَبّكُمْ وَرَبّ هَذِهِ . وَلِهَذَا قَالَ : " فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا " [ طَه : 88 ] . ذَكَرَهُ اِبْن عَبَّاس وَالسُّدِّيّ . قَالَ الزَّجَّاج : كَانَ لَهُ أَصْنَام صِغَار يَعْبُدهَا قَوْمه تَقَرُّبًا إِلَيْهِ فَنُسِبَتْ إِلَيْهِ ; وَلِهَذَا قَالَ : " أَنَا رَبّكُمْ الْأَعْلَى " . قَالَ إِسْمَاعِيل بْن إِسْحَاق : قَوْل فِرْعَوْن " أَنَا رَبّكُمْ الْأَعْلَى " . يَدُلّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ شَيْئًا غَيْره . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْمُرَاد بِالْإِلَاهَةِ عَلَى قِرَاءَة اِبْن عَبَّاس الْبَقَرَة الَّتِي كَانَ يَعْبُدهَا . وَقِيلَ : أَرَادُوا بِهَا الشَّمْس وَكَانُوا يَعْبُدُونَهَا . قَالَ الشَّاعِر : وَأَعْجَلْنَا الْإِلَاهَة أَنْ تَئُوبَا


ثُمَّ آنَسَ قَوْمه فَقَالَ " سَنَقْتُلُ أَبْنَاءَهُمْ " بِالتَّخْفِيفِ , قِرَاءَة نَافِع وَابْن كَثِير . وَالْبَاقُونَ بِالتَّشْدِيدِ عَلَى التَّكْثِير . " وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ " أَيْ لَا تَخَافُوا جَانِبَهُمْ . " وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ " آنَسَهُمْ بِهَذَا الْكَلَام . وَلَمْ يَقُلْ سَنُقَتِّلُ مُوسَى لِعِلْمِهِ أَنَّهُ لَا يَقْدِر عَلَيْهِ . وَعَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر قَالَ : كَانَ فِرْعَوْن قَدْ مُلِئَ مِنْ مُوسَى رُعْبًا ; فَكَانَ إِذَا رَآهُ بَال كَمَا يَبُول الْحِمَار .
مشاركة الموضوع