تفسير الطبري

سورة القلم الآية ٣

وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍۢ ﴿٣﴾
وَقَوْله : { وَإِنَّ لَك لَأَجْرًا غَيْر مَمْنُون } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَإِنَّ لَك يَا مُحَمَّد لَثَوَابًا مِنَ اللَّه عَظِيمًا عَلَى صَبْرك عَلَى أَذَى الْمُشْرِكِينَ إِيَّاكَ غَيْر مَنْقُوص وَلَا مَقْطُوع , مِنْ قَوْلهمْ : حَبْل مُنِير , إِذَا كَانَ ضَعِيفًا , وَقَدْ ضَعُفَتْ مِنَّته : إِذَا ضَعُفَتْ قُوَّته. وَكَانَ مُجَاهِد يَقُول فِي ذَلِكَ مَا . 26780 - حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { غَيْر مَمْنُون } قَالَ : مَحْسُوب.
وإن لك على ما تلقاه من شدائد على تبليغ الرسالة لثوابا عظيما غير منقوص ولا مقطوع,
(ن) سبق الكلام على الحروف المقطعة في أول سورة البقرة. أقسم الله بالقلم الذي يكتب به الملائكة والناس، وبما يكتبون من الخير والنفع والعلوم. ما أنت -أيها الرسول- بسبب نعمة الله عليك بالنبوة والرسالة بضعيف العقل، ولا سفيه الرأي، وإن لك على ما تلقاه من شدائد على تبليغ الرسالة لَثوابًا عظيمًا غير منقوص ولا مقطوع، وإنك -أيها الرسول- لعلى خلق عظيم، وهو ما اشتمل عليه القرآن من مكارم الأخلاق؛ فقد كان امتثال القرآن سجية له يأتمر بأمره، وينتهي عما ينهى عنه.
"وَإِنَّ لَك لَأَجْرًا غَيْر مَمْنُون" أَيْ أَجْرًا غَيْر مَقْطُوع
أَيْ بَلْ إِنَّ لَك الْأَجْر الْعَظِيم وَالثَّوَاب الْجَزِيل الَّذِي لَا يَنْقَطِع وَلَا يَبِيد عَلَى إِبْلَاغك رِسَالَة رَبّك إِلَى الْخَلْق وَصَبْرك عَلَى أَذَاهُمْ وَمَعْنَى غَيْر مَمْنُون أَيْ غَيْر مَقْطُوع كَقَوْلِهِ " عَطَاء غَيْر مَجْذُوذ " " فَلَهُمْ أَجْر غَيْر مَمْنُون " أَيْ غَيْر مَقْطُوع عَنْهُمْ وَقَالَ مُجَاهِد غَيْر مَمْنُون أَيْ غَيْر مَحْسُوب وَهُوَ يَرْجِع إِلَى مَا قُلْنَاهُ .
أَيْ ثَوَابًا عَلَى مَا تَحَمَّلْت مِنْ أَثْقَال النُّبُوَّة .

أَيْ غَيْر مَقْطُوع وَلَا مَنْقُوص ; يُقَال : مَنَنْت الْحَبْل إِذَا قَطَعْته . وَحَبْل مَنِين إِذَا كَانَ غَيْر مَتِين . قَالَ الشَّاعِر : غُبْسًا كَوَاسِب لَا يُمَنّ طَعَامهَا أَيْ لَا يُقْطَع . وَقَالَ مُجَاهِد : " غَيْر مَمْنُون " مَحْسُوب . الْحَسَن : " غَيْر مَمْنُون " غَيْر مُكَدَّر بِالْمَنِّ . الضَّحَّاك : أَجْرًا بِغَيْرِ عَمَل . وَقِيلَ : غَيْر مُقَدَّر وَهُوَ التَّفَضُّل ; لِأَنَّ الْجَزَاء مُقَدَّر وَالتَّفَضُّل غَيْر مُقَدَّر ; ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ , وَهُوَ مَعْنَى قَوْل مُجَاهِد .
مشاركة الموضوع