تفسير الطبري

سورة الملك الآية ٢٨

قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِىَ ٱللَّهُ وَمَن مَّعِىَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ ٱلْكَٰفِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍۢ ﴿٢٨﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّه وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِير الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَاب أَلِيم } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { قُلْ } يَا مُحَمَّد لِلْمُشْرِكِينَ مِنْ قَوْمك : { أَرَأَيْتُمْ } أَيّهَا النَّاس { إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّه } فَأَمَاتَنِي { وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا } فَأَخَّرَ فِي آجَالنَا { فَمَنْ يُجِير الْكَافِرِينَ } بِاللَّهِ { مِنْ عَذَاب } مُوجِع مُؤْلِم , وَذَلِكَ عَذَاب النَّار. يَقُول : لَيْسَ يُنْجِي الْكُفَّار مِنْ عَذَاب اللَّه مَوْتنَا وَحَيَاتنَا , فَلَا حَاجَة بِكُمْ إِلَى أَنْ تَسْتَعْجِلُوا قِيَام السَّاعَة , وَنُزُول الْعَذَاب , فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْر نَافِعكُمْ , بَلْ ذَلِكَ بَلَاء عَلَيْكُمْ عَظِيم .
قل- يا محمد- لهؤلاء الكافرين: أخبروني إن أماتني الله ومن معي من المؤمنين كما تتمنون, أو رحمنا فأخر آجالنا, وعافانا من عذابه, فمن هذا الذي يحميكم, ويمنعكم من عذاب أليم موجع؟
قل -أيها الرسول- لهؤلاء الكافرين: أخبروني إن أماتني الله ومَن معي من المؤمنين كما تتمنون، أو رحمنا فأخَّر آجالنا، وعافانا مِن عذابه، فمَن هذا الذي يحميكم، ويمنعكم من عذاب أليم موجع؟
"قُلْ أَرَأَيْتُمْ إنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّه وَمَنْ مَعِيَ" مِنْ الْمُؤْمِنِينَ بِعَذَابِهِ كَمَا تُقْصَدُونَ "أَوْ رَحِمَنَا" فَلَمْ يُعَذِّبنَا "فَمَنْ يُجِير الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَاب أَلِيم" أَيْ لَا مُجِير لَهُمْ مِنْهُ
يَقُول تَعَالَى " قُلْ " يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاَللَّهِ الْجَاحِدِينَ لِنِعَمِهِ " أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّه وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِير الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَاب أَلِيم " أَيْ خَلِّصُوا أَنْفُسكُمْ فَإِنَّهُ لَا مُنْقِذ لَكُمْ مِنْ اللَّه إِلَّا التَّوْبَة وَالْإِنَابَة وَالرُّجُوع إِلَى دِينه وَلَا يَنْفَعكُمْ وُقُوع مَا تَتَمَنَّوْنَ لَنَا مِنْ الْعَذَاب وَالنَّكَال فَسَوَاء عَذَّبَنَا اللَّه أَوْ رَحِمَنَا فَلَا مَنَاص لَكُمْ مِنْ نَكَاله وَعَذَابه الْأَلِيم الْوَاقِع بِكُمْ .
قَوْله تَعَالَى : " قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّه " أَيْ قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّد - يُرِيد مُشْرِكِي مَكَّة , وَكَانُوا يَتَمَنَّوْنَ مَوْت مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; كَمَا قَالَ تَعَالَى : " أَمْ يَقُولُونَ شَاعِر نَتَرَبَّص بِهِ رَيْب الْمَنُون " [ الطُّور : 30 ] - أَرَأَيْتُمْ إِنْ مِتْنَا أَوْ رُحِمْنَا فَأُخِّرَتْ آجَالنَا فَمَنْ يُجِيركُمْ مِنْ عَذَاب اللَّه ; فَلَا حَاجَة بِكُمْ إِلَى التَّرَبُّص بِنَا وَلَا إِلَى اِسْتِعْجَال قِيَام السَّاعَة . وَأَسْكَنَ الْيَاء فِي " أَهْلَكَنِي " اِبْن مُحَيْصِن وَالْمُسَيِّبِيّ وَشَيْبَة وَالْأَعْمَش وَحَمْزَة . وَفَتَحَهَا الْبَاقُونَ . وَكُلّهمْ فَتَحَ الْيَاء فِي " وَمَنْ مَعِيَ " إِلَّا أَهْل الْكُوفَة فَإِنَّهُمْ سَكَّنُوهَا . وَفَتَحَهَا حَفْص كَالْجَمَاعَةِ .
مشاركة الموضوع