تفسير الطبري

سورة الطلاق الآية ٨

وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِۦ فَحَاسَبْنَٰهَا حِسَابًۭا شَدِيدًۭا وَعَذَّبْنَٰهَا عَذَابًۭا نُّكْرًۭا ﴿٨﴾
وَقَوْله : { وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَة عَتَتْ عَنْ أَمْر رَبّهَا وَرُسُله } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَكَأَيِّنْ مِنْ أَهْل قَرْيَة طَغَوْا عَنْ أَمْر رَبّهمْ وَخَالَفُوهُ , وَعَنْ أَمْر رُسُل رَبّهمْ , فَتَمَادَوْا فِي طُغْيَانهمْ وَعُتُوّهُمْ , وَلَجُّوا فِي كُفْرهمْ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 26630 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ , فِي قَوْله { وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَة عَتَتْ عَنْ أَمْر رَبّهَا وَرُسُله } قَالَ : غَيَّرَتْ وَعَصَتْ. 26631 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَة عَتَتْ عَنْ أَمْر رَبّهَا فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا } قَالَ : الْعُتُوّ هَهُنَا الْكُفْر وَالْمَعْصِيَة , عُتُوًّا : كُفْرًا , وَعَتَتْ عَنْ أَمْر رَبّهَا : تَرَكَتْهُ وَلَمْ تَقْبَلهُ . وَقِيلَ : إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا خَالَفُوا أَمْر رَبّهمْ فِي الطَّلَاق , فَتَوَعَّدَ اللَّه بِالْخَبَرِ عَنْهُمْ هَذِهِ الْأُمَّة أَنْ يَفْعَل بِهِمْ فِعْله بِهِمْ إِنْ خَالَفُوا أَمْره فِي ذَلِكَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 26632 - حَدَّثَنِي اِبْن عَبْد الرَّحِيم الْبَرْقِيّ , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن أَبِي سَلَمَة قَالَ : سَمِعْت عُمَر بْن سُلَيْمَان يَقُول فِي قَوْله : { وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَة عَتَتْ عَنْ أَمْر رَبّهَا وَرُسُله } قَالَ : قَرْيَة عُذِّبَتْ فِي الطَّلَاق .

وَقَوْله : { فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا } يَقُول : فَحَاسَبْنَاهَا عَلَى نِعْمَتنَا عِنْدهَا وَشُكْرهَا حِسَابًا شَدِيدًا , يَقُول : حِسَابًا اِسْتَقْصَيْنَا فِيهِ عَلَيْهِمْ , لَمْ نَعْفُ لَهُمْ فِيهِ عَنْ شَيْء , وَلَمْ نَتَجَاوَز فِيهِ عَنْهُمْ , كَمَا : 26633 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , قَوْله : { فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا } قَالَ : لَمْ نَعْفُ عَنْهَا الْحِسَاب الشَّدِيد الَّذِي لَيْسَ فِيهِ مِنْ الْعَفْو شَيْء . 26634 - حَدَّثَنِي عَلِيّ قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا } يَقُول : لَمْ نَرْحَم .

وَقَوْله : { وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا } يَقُول : وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا عَظِيمًا مُنْكَرًا , وَذَلِكَ عَذَاب جَهَنَّم .
وكثير من القرى عصى أهلها أمر الله وأمر رسوله وتمادوا في طغيانهم وكفرهم, فحاسبناهم على أعمالهم في الدنيا حسابا شديدا, وعذبناهم عذابا عظيما منكرا,
وكثير من القرى عصى أهلها أمر الله وأمر رسوله وتمادَوا في طغيانهم وكفرهم، فحاسبناهم على أعمالهم في الدنيا حسابًا شديدًا، وعذَّبناهم عذابًا عظيمًا منكرًا، فتجرَّعوا سوء عاقبة عتوهم وكفرهم، وكان عاقبة كفرهم هلاكًا وخسرانًا لا خسران بعده.
"وَكَأَيِّنْ" هِيَ كَاف الْجَرّ دَخَلَتْ عَلَى أَيْ بِمَعْنَى كَمْ "مِنْ قَرْيَة" أَيْ وَكَثِير مِنْ الْقُرَى "عَتَتْ" عَصَتْ يَعْنِي أَهْلهَا "عَنْ أَمْر رَبّهَا وَرُسُله فَحَاسَبْنَاهَا" فِي الْآخِرَة وَإِنْ لَمْ تَجِئْ لِتَحَقُّقِ وُقُوعهَا "حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا" بِسُكُونِ الْكَاف وَضَمّهَا فَظِيعًا وَهُوَ عَذَاب النَّار
يَقُول تَعَالَى مُتَوَعِّدًا لِمَنْ خَالَفَ أَمْرَهُ وَكَذَّبَ رُسُله وَسَلَكَ غَيْر مَا شَرَعَهُ وَمُخْبِرًا عَمَّا حَلَّ بِالْأُمَمِ السَّالِفَة بِسَبَبِ ذَلِكَ فَقَالَ تَعَالَى " وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَة عَتَتْ عَنْ أَمْر رَبّهَا وَرُسُله " أَيْ تَمَرَّدَتْ وَطَغَتْ وَاسْتَكْبَرَتْ عَنْ اِتِّبَاع أَمْر اللَّه وَمُتَابَعَة رُسُله " فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا " أَيْ مُنْكَرًا فَظِيعًا.
لَمَّا ذَكَرَ الْأَحْكَام ذَكَرَ وَحَذَّرَ مُخَالَفَة الْأَمْر , وَذَكَرَ عُتُوّ قَوْم وَحُلُول الْعَذَاب بِهِمْ . وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِي " كَأَيِّنْ " فِي " آل عِمْرَان " وَالْحَمْد لِلَّهِ .

أَيْ عَصَتْ ; يَعْنِي الْقَرْيَة وَالْمُرَاد أَهْلهَا .

أَيْ جَازَيْنَاهَا بِالْعَذَابِ فِي الدُّنْيَا

فِي الْآخِرَة . وَقِيلَ : فِي الْكَلَام تَقْدِيم وَتَأْخِير ; فَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا فِي الدُّنْيَا بِالْجُوعِ وَالْقَحْط وَالسَّيْف وَالْخَسْف وَالْمَسْخ وَسَائِر الْمَصَائِب , وَحَاسَبْنَاهَا فِي الْآخِرَة حِسَابًا شَدِيدًا . وَالنُّكْر : الْمُنْكَر . وَقُرِئَ مُخَفَّفًا وَمُثَقَّلًا ; وَقَدْ مَضَى فِي سُورَة " الْكَهْف " .
مشاركة الموضوع