تفسير الطبري

سورة الواقعة الآية ٦٧

بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ﴿٦٧﴾
وَقَوْله : { بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ } يَعْنِي بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْره أَنَّهُمْ يَقُولُونَ : مَا هَلَكَ زَرْعنَا وَأَصَبْنَا بِهِ مِنْ أَجْل { إِنَّا لَمُغْرَمُونَ } وَلَكِنَّا قَوْم مَحْرُومُونَ , يَقُول : إِنَّهُمْ غَيْر مَجْدُودِينَ , لَيْسَ لَهُمْ جَدّ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 25929 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد { بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ } قَالَ : حُورِفْنَا فَحُرِمْنَا . 25930 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ } قَالَ : أَيْ مُحَارَفُونَ .
بل نحن محرومون من الرزق.
أفرأيتم الحرث الذي تحرثونه هل أنتم تُنبتونه في الأرض؟ بل نحن نُقِرُّ قراره وننبته في الأرض. لو نشاء لجعلنا ذلك الزرع هشيمًا، لا يُنتفع به في مطعم، فأصبحتم تتعجبون مما نزل بزرعكم، وتقولون: إنا لخاسرون معذَّبون، بل نحن محرومون من الرزق.
"بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ" مَمْنُوعُونَ رِزْقنَا
ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ " إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ " أَيْ لَوْ جَعَلْنَاهُ حُطَامًا لَظَلَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ فِي الْمَقَالَة تُنَوِّعُونَ كَلَامكُمْ فَتَقُولُونَ تَارَة إِنَّا لَمُغْرَمُونَ أَيْ لَمُلْقُونَ وَقَالَ مُجَاهِد وَعِكْرِمَة إِنَّا لَمُوَقَّع بِنَا وَقَالَ قَتَادَة مُعَذَّبُونَ وَتَّاره تَقُولُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ وَقَالَ مُجَاهِد أَيْضًا إِنَّا لَمُغْرَمُونَ مُلْقُونَ لِلشَّرِّ أَيْ بَلْ نَحْنُ مُحَارِفُونَ قَالَهُ قَتَادَة أَيْ لَا يَثْبُت لَنَا مَال وَلَا يُنْتَج لَنَا رِبْح وَقَالَ مُجَاهِد بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ أَيْ مَجْدُودُونَ يَعْنِي لَا حَظّ لَنَا قَالَ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد " فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ" تُعْجِبُونَ وَقَالَ مُجَاهِد أَيْضًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ تَفْجَعُونَ وَتَحْزَنُونَ عَلَى مَا فَاتَكُمْ مِنْ زَرْعكُمْ وَهَذَا يَرْجِع إِلَى الْأَوَّل وَهُوَ التَّعَجُّب مِنْ السَّبَب الَّذِي مِنْ أَجْله أُصِيبُوا فِي مَالهمْ وَهَذَا اِخْتِيَار اِبْن جَرِير . وَقَالَ عِكْرِمَة فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ تَلَاوَمُونَ وَقَالَ الْحَسَن وَقَتَادَة وَالسُّدِّيّ فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ تَنْدَمُونَ وَمَعْنَاهُ إِمَّا عَلَى مَا أَنْفَقْتُمْ أَوْ عَلَى مَا أَسْلَفْتُمْ مِنْ الذُّنُوب قَالَ الْكِسَائِيّ تَفَكَّهَ مِنْ الْأَضْدَاد تَقُول الْعَرَب تَفَكَّهْت بِمَعْنَى تَنَعَّمْت وَتَفَكَّهْت بِمَعْنَى حَزِنْت .
أَيْ حُرِمْنَا مَا طَلَبنَا مِنْ الرِّيع . وَالْمَحْرُوم الْمَمْنُوع مِنْ الرِّزْق . وَالْمَحْرُوم ضِدّ الْمَرْزُوق وَهُوَ الْمُحَارِف فِي قَوْل قَتَادَة . وَعَنْ أَنَس أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِأَرْضِ الْأَنْصَار فَقَالَ : ( مَا يَمْنَعكُمْ مِنْ الْحَرْث ) قَالُوا : الْجُدُوبَة , فَقَالَ : ( لَا تَفْعَلُوا فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى يَقُول أَنَا الزَّارِع إِنْ شِئْت زَرَعْت بِالْمَاءِ وَإِنْ شِئْت زَرَعْت بِالرِّيحِ وَإِنْ شِئْت زَرَعْت بِالْبَذْرِ ) ثُمَّ تَلَا " أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ " . قُلْت : وَفِي هَذَا الْخَبَر وَالْحَدِيث الَّذِي قَبْله مَا يُصَحِّح قَوْل مَنْ أَدْخَلَ الزَّارِع فِي أَسْمَاء اللَّه سُبْحَانه , وَأَبَاهُ الْجُمْهُور مِنْ الْعُلَمَاء , وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي ( الْكِتَاب الْأَسْنَى فِي شَرْح أَسْمَاء اللَّه الْحُسْنَى ) .
مشاركة الموضوع