تفسير الطبري

سورة القمر الآية ٢٨

وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ ٱلْمَآءَ قِسْمَةٌۢ بَيْنَهُمْ ۖ كُلُّ شِرْبٍۢ مُّحْتَضَرٌۭ ﴿٢٨﴾
وَقَوْله : { وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاء قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : نَبِّئْهُمْ : أَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْمَاء قِسْمَة بَيْنهمْ , يَوْم غَبّ النَّاقَة , وَذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ تَرِدُ الْمَاء يَوْمًا , وَتَغِبّ يَوْمًا , فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِصَالِحٍ : أَخْبِرْ قَوْمك مِنْ ثَمُود أَنَّ الْمَاء يَوْمَ غَبّ النَّاقَة قِسْمَة بَيْنهمْ , فَكَانُوا يَقْتَسِمُونَ ذَلِكَ يَوْم غِبِّهَا , فَيَشْرَبُونَ مِنْهُ ذَلِكَ الْيَوْم , وَيَتَزَوَّدُونَ فِيهِ مِنْهُ لِيَوْمِ وُرُودِهَا. وَقَدْ وَجَّهَ تَأْوِيلَ ذَلِكَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْمَاء قِسْمَة بَيْنهمْ وَبَيْن النَّاقَة يَوْمًا لَهُمْ وَيَوْمًا لَهَا , وَأَنَّهُ إِنَّمَا قِيلَ بَيْنهمْ , وَالْمَعْنَى : مَا ذَكَرْت عِنْدَهُمْ ; لِأَنَّ الْعَرَب إِذَا أَرَادَتِ الْخَبَر عَنْ فِعْل جَمَاعَة بَنِي آدَم مُخْتَلِطًا بِهِمُ الْبَهَائِم , جَعَلُوا الْفِعْل خَارِجًا مَخْرَج فِعْل جَمَاعَة بَنِي آدَم ; لِتَغْلِيبِهِمْ فِعْل بَنِي آدَم عَلَى فِعْل الْبَهَائِم .


وَقَوْله : { كُلّ شِرْب مُحْتَضَر } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : كُلّ شِرْب مِنْ مَاء يَوْم غِبّ النَّاقَة , وَمِنْ لَبَن يَوْم وُرُودهَا مُحْتَضَر يَحْتَضِرُونَهُ . كَمَا : 25376 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { كُلّ شِرْب مُحْتَضَر } قَالَ : يَحْضُرُونَ بِهِمُ الْمَاء إِذَا غَابَتْ , وَاذَا جَاءَتْ حَضَرُوا اللَّبَن . * حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { كُلّ شِرْب مُحْتَضَر } قَالَ : يَحْضُرُونَ بِهِمْ الْمَاء إِذَا غَابَتْ , وَإِذَا جَاءَتْ حَضَرُوا اللَّبَن .
وأخبرهم أن السماء مقسوم بين قومك والناقة: للناقة يوم, ولهم يوم, كل شرب يحضره من كانت قسمته, ويحظر على من ليس بقسمة له.
وأخبرهم أن الماء مقسوم بين قومك والناقة: للناقة يوم، ولهم يوم، كل شِرْب يحضره مَن كانت قسمته، ويُحظر على من ليس بقسمة له.
"وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاء قِسْمَة" مَقْسُوم "بَيْنهمْ" وَبَيْن النَّاقَة يَوْم لَهُمْ وَيَوْم لَهَا "كُلّ شِرْب" نَصِيب مِنْ الْمَاء "مُحْتَضَر" يَحْضُرهُ الْقَوْم يَوْمهمْ وَالنَّاقَة يَوْمهَا فَتَمَادَوْا عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ مَلَّوْهُ فَهَمُّوا بِقَتْلِ النَّاقَة
أَيْ يَوْم لَهُمْ وَيَوْم لِلنَّاقَةِ كَقَوْلِهِ " قَالَ هَذِهِ نَاقَة لَهَا شِرْب وَلَكُمْ شِرْب يَوْم مَعْلُوم " وَقَوْله تَعَالَى" كُلّ شِرْب مُحْتَضَر " قَالَ مُجَاهِد إِذَا غَابَتْ حَضَرُوا الْمَاء وَإِذَا جَاءَتْ حَضَرُوا اللَّبَن .
أَيْ أَخْبِرْهُمْ

أَيْ بَيْن آل ثَمُود وَبَيْن النَّاقَة , لَهَا يَوْم وَلَهُمْ يَوْم , كَمَا قَالَ تَعَالَى : " لَهَا شِرْب وَلَكُمْ شِرْب يَوْم مَعْلُوم " [ الشُّعَرَاء : 155 ] . قَالَ اِبْن عَبَّاس : كَانَ يَوْم شِرْبهمْ لَا تَشْرَب النَّاقَة شَيْئًا مِنْ الْمَاء وَتَسْقِيهِمْ لَبَنًا وَكَانُوا فِي نَعِيم , وَإِذَا كَانَ يَوْم النَّاقَة شَرِبَتْ الْمَاء كُلّه فَلَمْ تُبْقِ لَهُمْ شَيْئًا . وَإِنَّمَا قَالَ : " بَيْنهمْ " لِأَنَّ الْعَرَب إِذَا أَخْبَرُوا عَنْ بَنِي آدَم مَعَ الْبَهَائِم غَلَّبُوا بَنِي آدَم . وَرَوَى أَبُو الزُّبَيْر عَنْ جَابِر قَالَ : لَمَّا نَزَلْنَا الْحِجْر فِي مَغْزَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبُوك , قَالَ : ( أَيّهَا النَّاس لَا تَسْأَلُوا فِي هَذِهِ الْآيَات هَؤُلَاءِ قَوْم صَالِح سَأَلُوا نَبِيّهمْ أَنْ يَبْعَث اللَّه لَهُمْ نَاقَة فَبَعَثَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ النَّاقَة فَكَانَتْ تَرِد مِنْ ذَلِكَ الْفَجّ فَتَشْرَب مَاءَهُمْ يَوْم وِرْدهَا وَيَحْلُبُونَ مِنْهَا مِثْل الَّذِي كَانُوا يَشْرَبُونَ يَوْم غِبّهَا ) .

الشِّرْب - بِالْكَسْرِ - الْحَظّ مِنْ الْمَاء ; وَفِي الْمَثَل : ( آخِرهَا أَقَلّهَا شِرْبًا ) وَأَصْله فِي سَقْي الْإِبِل , لِأَنَّ آخِرهَا يَرِد وَقَدْ نَزِفَ الْحَوْض . وَمَعْنَى " مُحْتَضَر " أَيْ يَحْضُرهُ مَنْ هُوَ لَهُ ; فَالنَّاقَة تَحْضُر الْمَاء يَوْم وِرْدهَا , وَتَغِيب عَنْهُمْ يَوْم وِرْدهمْ ; قَالَهُ مُقَاتِل . وَقَالَ مُجَاهِد : إِنَّ ثَمُود يَحْضُرُونَ الْمَاء يَوْم غِبِّهَا فَيَشْرَبُونَ , وَيَحْضُرُونَ اللَّبَن يَوْم وِرْدهَا فَيَحْتَلِبُونَ .
مشاركة الموضوع