تفسير الطبري

سورة الذاريات الآية ٢٨

فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةًۭ ۖ قَالُوا۟ لَا تَخَفْ ۖ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَٰمٍ عَلِيمٍۢ ﴿٢٨﴾
فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ , يَقُول : فَأَوْجَسَ فِي نَفْسه إِبْرَاهِيم مِنْ ضَيْفه خِيفَة وَأَضْمَرَهَا


يَعْنِي : بِإِسْحَاقَ , وَقَالَ : عَلِيم بِمَعْنَى عَالِم إِذَا كَبِرَ , وَذَكَرَ الْفَرَّاء أَنَّ بَعْض الْمَشْيَخَة كَانَ يَقُول : إِذَا كَانَ لِلْعِلْمِ مُنْتَظِرًا قِيلَ : إِنَّهُ لَعَالِم عَنْ قَلِيل وَغَايَة , وَفِي السَّيِّد سَائِد , وَالْكَرِيم كَارِم . قَالَ : وَالَّذِي قَالَ حَسَن . قَالَ : وَهَذَا أَيْضًا كَلَام عَرَبِيّ حَسَن قَدْ قَالَهُ اللَّه فِي عَلِيم وَحَكِيم وَمَيِّت . وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { بِغُلَامٍ عَلِيمٍ } مَا : 24922 -حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { بِغُلَامٍ عَلِيمٍ } قَالَ : إِسْمَاعِيل. وَإِنَّمَا قُلْت : عَنَى بِهِ إِسْحَاق ; لِأَنَّ الْبِشَارَةَ كَانَتْ بِالْوَلَدِ مِنْ سَارَة , وَإِسْمَاعِيل لِهَاجَرَ لَا لِسَارَةَ .
فلما رآهم لا يأكلون أحس في نفسه خوفا منهم, قالوا له: لا تخف إنا رسل الله, وبشروه بأن زوجته (سارة) ستلد له ولدا, سيكون من أهل العلم بالله وبدينه, وهو إسحاق عليه السلام.
فلما رآهم لا يأكلون أحسَّ في نفسه خوفًا منهم، قالوا له: لا تَخَفْ إنا رسل الله، وبشروه بأن زوجته "سَارَةَ" ستلد له ولدًا، سيكون من أهل العلم بالله وبدينه، وهو إسحاق عليه السلام.
"فَأَوْجَسَ" أَضْمَرَ فِي نَفْسه "مِنْهُمْ خِيفَة قَالُوا لَا تَخَفْ" إنَّا رُسُل رَبّك "وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيم" ذِي عِلْم كَثِير وَهُوَ إسْحَاق كَمَا ذُكِرَ فِي هُود
هَذَا مُحَال عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْقِصَّة فِي السُّورَة الْأُخْرَى وَهِيَ قَوْله تَعَالَى " فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِل إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَة قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْم لُوط وَامْرَأَته قَائِمَة فَضَحِكَتْ" أَيْ اِسْتَبْشَرَتْ بِهَلَاكِهِمْ لِتَمَرُّدِهِمْ وَعُتُوّهُمْ عَلَى اللَّه تَعَالَى فَعِنْد ذَلِكَ بَشَّرَتْهَا الْمَلَائِكَة بِإِسْحَاق وَمِنْ وَرَاء إِسْحَاق يَعْقُوب " قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوز وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيب قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْر اللَّه رَحْمَة اللَّه وَبَرَكَاته عَلَيْكُمْ أَهْل الْبَيْت إِنَّهُ حَمِيد مَجِيد " وَلِهَذَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هَهُنَا " وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيم " فَالْبِشَارَة لَهُ هِيَ بِشَارَة لَهَا لِأَنَّ الْوَلَد مِنْهُمَا فَكُلّ مِنْهُمَا بُشِّرَ بِهِ .
أَيْ أَحَسَّ مِنْهُمْ فِي نَفْسه خَوْفًا . وَقِيلَ : أَضْمَرَ لَمَّا لَمْ يَتَحَرَّمُوا بِطَعَامِهِ . وَمِنْ أَخْلَاق النَّاس : أَنَّ مَنْ تَحَرَّمَ بِطَعَامِ إِنْسَان أَمِنَهُ . وَقَالَ عَمْرو بْن دِينَار : قَالَتْ الْمَلَائِكَة لَا نَأْكُل إِلَّا بِالثَّمَنِ . قَالَ : كُلُوا وَأَدُّوا ثَمَنه . قَالُوا : وَمَا ثَمَنه ؟ قَالَ : تُسَمُّونَ اللَّه إِذَا أَكَلْتُمْ وَتَحْمَدُونَهُ إِذَا فَرَغْتُمْ . فَنَظَرَ بَعْضهمْ إِلَى بَعْض وَقَالُوا : لِهَذَا اِتَّخَذَك اللَّه خَلِيلًا . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي " هُود " وَلَمَّا رَأَوْا مَا بِإِبْرَاهِيم مِنْ الْخَوْف

وَأَعْلَمُوهُ أَنَّهُمْ مَلَائِكَة اللَّه وَرُسُله .

أَيْ بِوَلَدٍ يُولَد لَهُ مِنْ سَارَة زَوْجَته . وَقِيلَ : لَمَّا أَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ مَلَائِكَة لَمْ يُصَدِّقهُمْ , فَدَعَوْا اللَّه فَأَحْيَا الْعِجْل الَّذِي قَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ . وَرَوَى عَوْن بْن أَبِي شَدَّاد : أَنَّ جِبْرِيل مَسَحَ الْعِجْل بِجَنَاحِهِ , فَقَامَ يُدْرِج حَتَّى لَحِقَ بِأُمِّهِ وَأُمّ الْعِجْل فِي الدَّار . وَمَعْنَى " عَلِيم " أَيْ يَكُون بَعْد بُلُوغه مِنْ أُولِي الْعِلْم بِاَللَّهِ وَبِدِينِهِ . وَالْجُمْهُور عَلَى أَنَّ الْمُبَشَّر بِهِ هُوَ إِسْحَاق . وَقَالَ مُجَاهِد وَحْده : هُوَ إِسْمَاعِيل وَلَيْسَ بِشَيْءٍ فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى يَقُول : " وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاق " [ الصَّافَّات : 112 ] . وَهَذَا نَصّ .
مشاركة الموضوع