تفسير الطبري

سورة المائدة الآية ٨١

وَلَوْ كَانُوا۟ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلنَّبِىِّ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا ٱتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرًۭا مِّنْهُمْ فَٰسِقُونَ ﴿٨١﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالنَّبِيّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل { يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالنَّبِيّ } يَقُول : يُصَدِّقُونَ بِاَللَّهِ وَيُقِرُّونَ بِهِ وَيُوَحِّدُونَهُ وَيُصَدِّقُونَ نَبِيّه مُحَمَّدًا , بِأَنَّهُ لِلَّهِ نَبِيّ مَبْعُوث وَرَسُول مُرْسَل . { وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ } يَقُول : يُقِرُّونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِنْد اللَّه مِنْ آي الْفُرْقَان .

يَقُول : مَا اِتَّخَذُوهُمْ أَصْحَابًا وَأَنْصَارًا مِنْ دُون الْمُؤْمِنِينَ . وَكَانَ مُجَاهِد يَقُول فِي ذَلِكَ مَا : 9607 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالنَّبِيّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اِتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء } قَالَ : الْمُنَافِقُونَ .

يَقُول : لَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ أَهْل خُرُوج عَنْ طَاعَة اللَّه إِلَى مَعْصِيَته وَأَهْل اِسْتِحْلَال لِمَا حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ الْقَوْل وَالْفِعْل .
" وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ " .
فإن الإيمان بالله وبالنبي, وما أنزل إليه, يوجب على العبد موالاة ربه, وموالاة أوليائه, ومعاداة من كفر به وعاداه, وأوضع في معاصيه.
فشرط ولاية الله والإيمان به, أن لا يتخذ أعداء الله أولياء.
وهؤلاء لم يوجد منهم الشرط, فدل على انتفاء المشروط.
" وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ " أي: خارجون عن طاعة الله والإيمان به, وبالنبي.
ومن فسقهم, موالاة أعداء الله.
ولو أن هؤلاء اليهود الذين يناصرون المشركين كانوا قد آمنوا بالله تعالى والنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وأقرُّوا بما أنزل إليه -وهو القرآن الكريم- ما اتخذوا الكفار أصحابًا وأنصارًا، ولكن كثيرًا منهم خارجون عن طاعة الله ورسوله.
"وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالنَّبِيّ" مُحَمَّد "وَمَا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ" أَيْ الْكُفَّار "أَوْلِيَاء وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ" خَارِجُونَ عَنْ الْإِيمَان
قَوْله تَعَالَى " وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالنَّبِيّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اِتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء" أَيْ لَوْ آمَنُوا حَقّ الْإِيمَان بِاَللَّهِ وَالرَّسُول وَالْقُرْآن لَمَا اِرْتَكَبُوا مَا اِرْتَكَبُوهُ مِنْ مُوَالَاة الْكَافِرِينَ فِي الْبَاطِن وَمُعَادَاة الْمُؤْمِنِينَ بِاَللَّهِ وَالنَّبِيّ وَمَا أَنْزَلَ اللَّه " وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ " أَيْ خَارِجُونَ عَنْ طَاعَة اللَّه وَرَسُوله مُخَالِفُونَ لِآيَاتِ وَحْيه وَتَنْزِيله.
يَدُلّ بِهَذَا عَلَى أَنَّ مَنْ اِتَّخَذَ كَافِرًا وَلِيًّا فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ إِذَا اِعْتَقَدَ اِعْتِقَاده وَرَضِيَ أَفْعَاله .



أَيْ خَارِجُونَ عَنْ الْإِيمَان بِنَبِيِّهِمْ لِتَحْرِيفِهِمْ , أَوْ عَنْ الْإِيمَان بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنِفَاقِهِمْ .
مشاركة الموضوع