تفسير الطبري

سورة المائدة الآية ٧

وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَٰقَهُ ٱلَّذِى وَاثَقَكُم بِهِۦٓ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴿٧﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاذْكُرُوا نِعْمَة اللَّه عَلَيْكُمْ } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ : { وَاذْكُرُوا نِعْمَة اللَّه عَلَيْكُمْ } أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِالْعُقُودِ الَّتِي عَقَدْتُمُوهَا لِلَّهِ عَلَى أَنْفُسكُمْ , وَاذْكُرُوا نِعْمَته عَلَيْكُمْ فِي ذَلِكُمْ , بِأَنْ هَدَاكُمْ مِنْ الْعُقُود لِمَا فِيهِ الرِّضَا , وَوَفَّقَكُمْ لِمَا فِيهِ نَجَاتكُمْ مِنْ الضَّلَالَة وَالرَّدَى فِي نِعَم غَيْرهَا جَمَّة . كَمَا : 9008 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَاذْكُرُوا نِعْمَة اللَّه عَلَيْكُمْ } قَالَ : النِّعَم : آلَاء اللَّه . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله .

وَأَمَّا قَوْله : { وَمِيثَاقه الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَاذْكُرُوا أَيْضًا أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي نِعَم اللَّه الَّتِي أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ مِيثَاقه الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ , وَهُوَ عَهْده الَّذِي عَاهَدَكُمْ بِهِ . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْمِيثَاق الَّذِي ذَكَرَ اللَّه فِي هَذِهِ الْآيَة , أَيْ مَوَاثِيقه عَنَى ؟ فَقَالَ بَعْضهمْ : عَنَى بِهِ مِيثَاق اللَّه الَّذِي وَاثَقَ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , حِين بَايَعُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْع وَالطَّاعَة لَهُ فِيمَا أَحَبُّوا وَكَرِهُوا , وَالْعَمَل بِكُلِّ مَا أَمَرَهُمْ اللَّه بِهِ وَرَسُوله . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9009 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَاذْكُرُوا نِعْمَة اللَّه عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقه الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } الْآيَة , يَعْنِي : حَيْثُ بَعَثَ اللَّه النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَاب , فَقَالُوا : آمَنَّا بِالنَّبِيِّ وَبِالْكِتَابِ , وَأَقْرَرْنَا بِمَا فِي التَّوْرَاة . فَذَكَّرَهُمْ اللَّه مِيثَاقه الَّذِي أَقَرُّوا بِهِ عَلَى أَنْفُسهمْ , وَأَمَرَهُمْ بِالْوَفَاءِ بِهِ . 9010 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَاذْكُرُوا نِعْمَة اللَّه عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقه الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } فَإِنَّهُ أَخَذَ مِيثَاقنَا , فَقُلْنَا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا عَلَى الْإِيمَان وَالْإِقْرَار بِهِ وَبِرَسُولِهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : مِيثَاقه الَّذِي أَخَذَ عَلَى عِبَاده حِين أَخْرَجَهُمْ مِنْ صُلْب آدَم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسهمْ : أَلَسْت بِرَبِّكُمْ ؟ فَقَالُوا : بَلَى شَهِدْنَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9011 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَمِيثَاقه الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ } قَالَ : الَّذِي وَاثَقَ بِهِ بَنِي آدَم فِي ظَهْر آدَم . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , نَحْوه . وَأَوْلَى الْأَقْوَال بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيل ذَلِكَ : قَوْل اِبْن عَبَّاس , وَهُوَ أَنَّ مَعْنَاهُ : وَاذْكُرُوا أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ نِعْمَة اللَّه عَلَيْكُمْ الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَيْكُمْ بِهِدَايَتِهِ إِيَّاكُمْ لِلْإِسْلَامِ وَمِيثَاقه الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ , يَعْنِي : وَعَهْده الَّذِي عَاهَدَكُمْ بِهِ حِين بَايَعْتُمْ رَسُوله مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْع وَالطَّاعَة لَهُ فِي الْمَنْشَط وَالْمَكْرَه , وَالْعُسْر وَالْيُسْر , إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا مَا قُلْت لَنَا , وَأَخَذْت عَلَيْنَا مِنْ الْمَوَاثِيق وَأَطَعْنَاك فِيمَا أَمَرْتَنَا بِهِ وَنَهَيْتنَا عَنْهُ , وَأَنْعَمَ عَلَيْكُمْ أَيْضًا بِتَوْفِيقِكُمْ لِقَبُولِ ذَلِكَ مِنْهُ بِقَوْلِكُمْ لَهُ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا , يَقُول : فَفُوا لِلَّهِ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِمِيثَاقِهِ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ , وَنِعْمَته الَّتِي أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ فِي ذَلِكَ بِإِقْرَارِكُمْ عَلَى أَنْفُسكُمْ بِالسَّمْعِ لَهُ وَالطَّاعَة فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ , وَفِيمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ , يَفِ لَكُمْ بِمَا ضَمِنَ لَكُمْ الْوَفَاء بِهِ إِذَا أَنْتُمْ وَفَّيْتُمْ لَهُ بِمِيثَاقِهِ مِنْ إِتْمَام نِعْمَته عَلَيْكُمْ , وَبِإِدْخَالِكُمْ جَنَّته وَبِإِنْعَامِكُمْ بِالْخُلُودِ فِي دَار كَرَامَته , وَإِنْقَاذكُمْ مِنْ عِقَابه وَأَلِيم عَذَابه . وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنْ قَوْل مَنْ قَالَ : عَنَى بِهِ الْمِيثَاق الَّذِي أَخَذَ عَلَيْهِمْ فِي صُلْب آدَم صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِ ; لِأَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ ذَكَرَ بِعَقِبِ تَذْكِرَة الْمُؤْمِنِينَ مِيثَاقه الَّذِي وَاثَقَ بِهِ أَهْل التَّوْرَاة بَعْد مَا أَنْزَلَ كِتَابه عَلَى نَبِيّه مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ وَنَهَاهُمْ فِيهَا , فَقَالَ : { وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّه مِيثَاق بَنِي إِسْرَائِيل وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اِثْنَيْ عَشَر نَقِيبًا } الْآيَات بَعْدهَا مُنَبِّهًا بِذَلِكَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَمَّد عَلَى مَوَاضِع حُظُوظهمْ مِنْ الْوَفَاء لِلَّهِ بِمَا عَاهَدَهُمْ عَلَيْهِ , وَمُعَرِّفهمْ سُوء عَاقِبَة أَهْل الْكِتَاب فِي تَضْيِيعهمْ مَا ضَيَّعُوا مِنْ مِيثَاقه الَّذِي وَاثَقَهُمْ بِهِ فِي أَمْره وَنَهْيه , وَتَعْزِير أَنْبِيَائِهِ وَرُسُله , زَاجِرًا لَهُمْ عَنْ نَكْث عُهُودهمْ , فَيُحِلّ بِهِمْ مَا أَحَلَّ بِالنَّاكِثِينَ عُهُوده مِنْ أَهْل الْكِتَاب قَبْلهمْ , فَكَانَ إِذَا كَانَ الَّذِي ذَكَّرَهُمْ فَوَعَظَهُمْ بِهِ , وَنَهَاهُمْ عَنْ أَنْ يَرْكَبُوا مِنْ الْفِعْل مِثْله مِيثَاق قَوْم أَخَذَ مِيثَاقهمْ بَعْد إِرْسَال الرَّسُول إِلَيْهِمْ , وَإِنْزَال الْكِتَاب عَلَيْهِمْ وَاجِبًا , أَنْ يَكُون الْحَال الَّتِي أَخَذَ فِيهَا الْمِيثَاق وَالْمَوْعُوظِينَ نَظِير حَال الَّذِينَ وُعِظُوا بِهِمْ . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , كَانَ بَيِّنًا صِحَّة مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ وَفَسَاد خِلَافه .

وَأَمَّا قَوْله : { وَاتَّقُوا اللَّه إِنَّ اللَّه عَلِيم بِذَاتِ الصُّدُور } فَإِنَّهُ وَعِيد مِنْ اللَّه جَلَّ اِسْمه لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أَطَافُوا بِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَصْحَابه , وَتَهْدِيدًا لَهُمْ أَنْ يَنْقُضُوا مِيثَاق اللَّه الَّذِي وَاثَقَهُمْ بِهِ فِي رُسُله وَعَهْدهمْ الَّذِي عَاهَدُوهُ فِيهِ , بِأَنْ يُضْمِرُوا لَهُ خِلَاف مَا أَبْدَوْا لَهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ . يَقُول لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَاتَّقُوا اللَّه أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ , فَخَافُوهُ أَنْ تُبَدِّلُوا عَهْده وَتَنْقُضُوا مِيثَاقه الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ , أَوْ تُخَالِفُوا مَا ضَمِنْتُمْ لَهُ بِقَوْلِكُمْ : سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا , بِأَنْ تُضْمِرُوا لَهُ غَيْر الْوَفَاء بِذَلِكَ فِي أَنْفُسكُمْ , فَإِنَّ اللَّه مُطَّلِع عَلَى ضَمَائِر صُدُوركُمْ , وَعَالِم بِمَا تُخْفِيهِ نُفُوسكُمْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء مِنْ ذَلِكَ , فَيُحِلّ بِكُمْ مِنْ عُقُوبَته مَا لَا قِبَل لَكُمْ بِهِ , كَاَلَّذِي حَلَّ بِمَنْ قَبْلكُمْ مِنْ الْيَهُود مِنْ الْمَسْخ وَصُنُوف النِّقَم , وَتَصِيرُوا فِي مَعَادكُمْ إِلَى سَخَط اللَّه وَأَلِيم عِقَابه .
يأمر تعالى عباده بذكر نعمه الدينية والدنيوية, بقلوبهم وألسنتهم.
فإن في استدامة ذكرها, داعيا لشكر الله تعالى, ومحبته, وامتلاء القلب من إحسانه.
وفيه زوال للعجب, من النفس, بالنعم الدينية, وزيادة لفضل الله وإحسانه.
و " مِيثَاقِهِ " أي: واذكروا ميثاقه " الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ " أي: عهده الذي أخذه عليكم.
وليس المراد بذلك, أنهم لفظوا ونطقوا بالعهد والميثاق.
وإنما المراد بذلك, أنهم - بإيمانهم بالله ورسوله - قد التزموا طاعتهما.
ولهذا قال " إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا " أي: سمعنا ما دعوتنا به, من آياتك القرآنية والكونية, سمع فهم, وإذعان, وانقياد.
وأطعنا ما أمرتنا به, بالامتثال, وما نهيتنا عنه بالاجتناب.
وهذا شامل لجميع شرائع الدين, الظاهرة والباطنة.
وأن المؤمنين يذكرون في ذلك, عهد الله وميثاقه عليهم, وتكون منهم على بال, ويحرصون على أداء ما أُمِرُوا به كاملا غير ناقص.
" وَاتَّقُوا اللَّهَ " في جميع أحوالكم " إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ " أي: ما تنطوي عليه, من الأفكار, والأسرار, والخواطر.
فاحذروا أن يطلع, من قلوبكم, على أمر لا يرضاه, أو يصدر منكم ما يكرهه, واعمروا قلوبكم, بمعرفته, ومحبته, والنصح لعباده.
فإنكم - إن كنتم كذلك - غفر لكم السيئات, وضاعف لكم الحسنات, لعلمه بصلاح قلوبكم.
واذكروا نعمة الله عليكم فيما شَرَعه لكم، واذكروا عهده الذي أخذه تعالى عليكم من الإيمان بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، والسمع والطاعة لهما، واتقوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه. إن الله عليمٌ بما تُسِرُّونه في نفوسكم.
"وَاذْكُرُوا نِعْمَة اللَّه عَلَيْكُمْ" بِالْإِسْلَامِ "وَمِيثَاقه" عَهْده "الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ" عَاهَدَكُمْ عَلَيْهِ "إذْ قُلْتُمْ" لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين بَايَعْتُمُوهُ "سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا" فِي كُلّ مَا تَأْمُر بِهِ وَتَنْهَى مِمَّا نُحِبّ وَنَكْرَه "وَاتَّقُوا اللَّه" فِي مِيثَاقه أَنْ تَنْقُضُوهُ "إنَّ اللَّه عَلِيم بِذَاتِ الصُّدُور" بِمَا فِي الْقُلُوب فَبِغَيْرِهِ أَوْلَى
يَقُول تَعَالَى مُذَكِّرًا عِبَاده الْمُؤْمِنِينَ نِعْمَته عَلَيْهِمْ فِي شَرْعه لَهُمْ هَذَا الدِّين الْعَظِيم وَإِرْسَاله إِلَيْهِمْ هَذَا الرَّسُول الْكَرِيم وَمَا أَخَذَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْعَهْد وَالْمِيثَاق فِي مُبَايَعَته عَلَى مُتَابَعَته وَمُنَاصَرَته وَمُؤَازَرَته وَالْقِيَام بِدِينِهِ لِإِبْلَاغِهِ عَنْهُ وَقَبُوله مِنْهُ فَقَالَ تَعَالَى " وَاذْكُرُوا نِعْمَة اللَّه عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقه الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا " وَهَذِهِ هِيَ الْبَيْعَة الَّتِي كَانُوا يُبَايِعُونَ عَلَيْهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْد إِسْلَامهمْ كَمَا قَالُوا بَايَعْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْع وَالطَّاعَة فِي مَنْشَطنَا وَمَكْرَهنَا وَأَثَرَةً عَلَيْنَا وَأَنْ لَا نُنَازِع الْأَمْر أَهْله وَقَالَ اللَّه تَعَالَى " وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالرَّسُول يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ " وَقِيلَ هَذَا تَذْكَار لِلْيَهُودِ بِمَا أُخِذَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْمَوَاثِيق وَالْعُهُود فِي مُتَابَعَة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالِانْقِيَاد لِشَرْعِهِ رَوَاهُ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس وَقِيلَ هُوَ تَذْكَار بِمَا أَخَذَ تَعَالَى مِنْ الْعَهْد عَلَى ذُرِّيَّة آدَم حِين اِسْتَخْرَجَهُمْ مِنْ صُلْبه وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسهمْ" أَلَسْت بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا " قَالَهُ مُجَاهِد وَمُقَاتِل بْن حَيَّان وَالْقَوْل الْأَوَّل أَظْهَرُ وَهُوَ الْمَحْكِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَالسُّدِّيّ وَاخْتَارَهُ اِبْن جَرِير ثُمَّ قَالَ تَعَالَى" وَاتَّقُوا اللَّه " تَأْكِيد وَتَحْرِيض عَلَى مُوَاظَبَة التَّقْوَى فِي كُلّ حَال ثُمَّ أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ يَعْلَم مَا يَتَخَالَج فِي الضَّمَائِر مِنْ الْأَسْرَار وَالْخَوَاطِر فَقَالَ " إِنَّ اللَّه عَلِيم بِذَاتِ الصُّدُور " .
قِيلَ : هُوَ الْمِيثَاق الَّذِي فِي قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : " وَإِذْ أَخَذَ رَبّك مِنْ بَنِي آدَم " [ الْأَعْرَاف : 172 ] ; قَالَ مُجَاهِد وَغَيْره , وَنَحْنُ وَإِنْ لَمْ نَذْكُرهُ فَقَدْ أَخْبَرَنَا الصَّادِق بِهِ , فَيَجُوز أَنْ نُؤْمَر بِالْوَفَاءِ بِهِ , وَقِيلَ : هُوَ خِطَاب لِلْيَهُودِ بِحِفْظِ مَا أُخِذَ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاة ; وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور مِنْ الْمُفَسِّرِينَ كَابْنِ عَبَّاس وَالسُّدِّيّ هُوَ الْعَهْد وَالْمِيثَاق الَّذِي جَرَى لَهُمْ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْع وَالطَّاعَة فِي الْمَنْشَط وَالْمَكْرَه إِذْ قَالُوا : سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا , كَمَا جَرَى لَيْلَة الْعَقَبَة وَتَحْت الشَّجَرَة , وَأَضَافَهُ تَعَالَى إِلَى نَفْسه كَمَا قَالَ : " إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّه " [ الْفَتْح : 10 ] فَبَايَعُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْد الْعَقَبَة عَلَى أَنْ يَمْنَعُوهُ مِمَّا يَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسهمْ وَنِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ , وَأَنْ يَرْحَل إِلَيْهِمْ هُوَ وَأَصْحَابه , وَكَانَ أَوَّل مَنْ بَايَعَهُ الْبَرَاء بْن مَعْرُور , وَكَانَ لَهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَة الْمَقَام الْمَحْمُود فِي التَّوَثُّق لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالشَّدّ لِعَقْدِ أَمْره , وَهُوَ الْقَائِل : وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ لَأَمْنَعَنَّك مِمَّا نَمْنَع مِنْهُ أُزُرَنَا , فَبَايِعْنَا يَا رَسُول اللَّه فَنَحْنُ وَاَللَّه أَبْنَاء الْحُرُوب وَأَهْل الْحَلْقَة وَرِثْنَاهَا كَابِرًا عَنْ كَابِر . الْخَبَر الْمَشْهُور فِي سِيرَة اِبْن إِسْحَاق , وَيَأْتِي ذِكْر بَيْعَة الرِّضْوَان فِي مَوْضِعهَا , وَقَدْ اِتَّصَلَ هَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " أَوْفُوا بِالْعُقُودِ " [ الْمَائِدَة : 1 ] فَوَفَّوْا بِمَا قَالُوا ; جَزَاهُمْ اللَّه تَعَالَى عَنْ نَبِيّهمْ وَعَنْ الْإِسْلَام خَيْرًا , وَرَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ .



أَيْ فِي مُخَالَفَته إِنَّهُ عَالِم بِكُلِّ شَيْء .
مشاركة الموضوع