تَقَدَّمَ الْكَلَام فِيهَا , وَأَنَّهَا نَاسِخَة لِلتَّخْيِيرِ . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهَذِهِ دَعْوَى عَرِيضَة ; فَإِنَّ شُرُوط النَّسْخ أَرْبَعَة : مِنْهَا مَعْرِفَة التَّارِيخ بِتَحْصِيلِ الْمُتَقَدِّم وَالْمُتَأَخِّر , وَهَذَا مَجْهُول مِنْ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ ; فَامْتَنَعَ أَنْ يُدَّعَى أَنَّ وَاحِدَة مِنْهُمَا نَاسِخَة لِلْأُخْرَى , وَبَقِيَ الْأَمْر عَلَى حَاله . قُلْت : قَدْ ذَكَرْنَا عَنْ أَبِي جَعْفَر النَّحَّاس أَنَّ هَذِهِ الْآيَة مُتَأَخِّرَة فِي النُّزُول ; فَتَكُون نَاسِخَة إِلَّا أَنْ يُقَدَّر فِي الْكَلَام " وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنهمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه " إِنْ شِئْت ; لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْر التَّخْيِير لَهُ , فَآخِر الْكَلَام حُذِفَ التَّخْيِيرُ مِنْهُ لِدَلَالَةِ الْأَوَّل عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ مَعْطُوف عَلَيْهِ , فَحُكْم التَّخْيِير كَحُكْمِ الْمَعْطُوف عَلَيْهِ , فَهُمَا شَرِيكَانِ وَلَيْسَ الْآخَر بِمُنْقَطِعٍ مِمَّا قَبْله ; إِذْ لَا مَعْنَى لِذَلِكَ وَلَا يَصِحّ , فَلَا بُدّ مِنْ أَنْ يَكُون قَوْله : " وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنهمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه " مَعْطُوفًا عَلَى مَا قَبْله مِنْ قَوْله : " وَإِنْ حَكَمْت فَاحْكُمْ بَيْنهمْ بِالْقِسْطِ " وَمِنْ قَوْله : " فَإِنْ جَاءُوك فَاحْكُمْ بَيْنهمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ " فَمَعْنَى " وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنهمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه " أَيْ اُحْكُمْ بِذَلِكَ إِنْ حَكَمْت وَاخْتَرْت الْحُكْم ; فَهُوَ كُلّه مُحْكَم غَيْر مَنْسُوخ , لِأَنَّ النَّاسِخ لَا يَكُون مُرْتَبِطًا بِالْمَنْسُوخِ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ , فَالتَّخْيِير لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ مُحْكَم غَيْر مَنْسُوخ , قَالَهُ مَكِّيّ رَحِمَهُ اللَّه . " وَأَنْ اُحْكُمْ " فِي مَوْضِع نَصْب عَطْفًا عَلَى الْكِتَاب ; أَيْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْك أَنْ اُحْكُمْ بَيْنهمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه , أَيْ بِحُكْمِ اللَّه الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَيْك فِي كِتَابه .
" أَنْ " بَدَلٌ مِنْ الْهَاء وَالْمِيم فِي " وَاحْذَرْهُمْ " وَهُوَ بَدَل اِشْتِمَال . أَوْ مَفْعُول مِنْ أَجْله ; أَيْ مِنْ أَجْل أَنْ يَفْتِنُوك , وَعَنْ اِبْن إِسْحَاق قَالَ اِبْن عَبَّاس : اِجْتَمَعَ قَوْم مِنْ الْأَحْبَار مِنْهُمْ اِبْن صُورِيَّا وَكَعْب بْن أَسَد وَابْن صَلُوبَا وَشَأْس بْن عَدِيّ وَقَالُوا : اِذْهَبُوا بِنَا إِلَى مُحَمَّد فَلَعَلَّنَا نَفْتِنهُ عَنْ دِينه فَإِنَّمَا هُوَ بَشَر ; فَأَتَوْهُ فَقَالُوا : قَدْ عَرَفْت يَا مُحَمَّد أَنَّا أَحْبَار الْيَهُود , وَإِنْ اِتَّبَعْنَاك لَمْ يُخَالِفنَا أَحَد مِنْ الْيَهُود , وَإِنَّ بَيْننَا وَبَيْن قَوْم خُصُومَة فَنُحَاكِمهُمْ إِلَيْك , فَاقْضِ لَنَا عَلَيْهِمْ حَتَّى نُؤْمِن بِك ; فَأَبَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة , وَأَصْل الْفِتْنَة الِاخْتِبَار حَسْبَمَا تَقَدَّمَ , ثُمَّ يَخْتَلِف مَعْنَاهَا ; فَقَوْله تَعَالَى هُنَا " يَفْتِنُوك " مَعْنَاهُ يَصُدُّوك وَيَرُدُّوك ; وَتَكُون الْفِتْنَة بِمَعْنَى الشِّرْك ; وَمِنْهُ قَوْله : " وَالْفِتْنَة أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْل " [ الْبَقَرَة : 217 ] وَقَوْله : " وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُون فِتْنَة " [ الْأَنْفَال : 39 ] , وَتَكُون الْفِتْنَة بِمَعْنَى الْعِبْرَة ; كَقَوْلِهِ : " لَا تَجْعَلنَا فِتْنَة لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ " [ يُونُس : 85 ] . و " لَا تَجْعَلنَا فِتْنَة لِلَّذِينَ كَفَرُوا " [ الْمُمْتَحِنَة : 5 ] , وَتَكُون الْفِتْنَة الصَّدّ عَنْ السَّبِيل كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَة , وَتَكْرِير " وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنهمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه " لِلتَّأْكِيدِ , أَوْ هِيَ أَحْوَال وَأَحْكَام أَمَرَهُ أَنْ يَحْكُم فِي كُلّ وَاحِد بِمَا أَنْزَلَ اللَّه , وَفِي الْآيَة دَلِيل عَلَى جَوَاز النِّسْيَان عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِأَنَّهُ قَالَ : " أَنْ يَفْتِنُوك " وَإِنَّمَا يَكُون ذَلِكَ عَنْ نِسْيَان لَا عَنْ تَعَمُّد . وَقِيلَ : الْخِطَاب لَهُ وَالْمُرَاد غَيْره , وَسَيَأْتِي بَيَان هَذَا فِي " الْأَنْعَام " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى
عَنْ كُلّ مَا أَنْزَلَ اللَّه إِلَيْك , وَالْبَعْض يُسْتَعْمَل بِمَعْنَى الْكُلّ قَالَ الشَّاعِر : أَوْ يَعْتَبِطَ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمَامُهَا وَيُرْوَى أَوْ يَرْتَبِط . أَرَادَ كُلّ النُّفُوس ; وَعَلَيْهِ حَمَلُوا قَوْله تَعَالَى : " وَلِأُبَيِّن لَكُمْ بَعْض الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ " [ الزُّخْرُف : 63 ] . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَالصَّحِيح أَنَّ " بَعْض " عَلَى حَالهَا فِي هَذِهِ الْآيَة , وَأَنَّ الْمُرَاد بِهِ الرَّجْم أَوْ الْحُكْم الَّذِي كَانُوا أَرَادُوهُ وَلَمْ يَقْصِدُوا أَنْ يَفْتِنُوهُ عَنْ الْكُلّ , وَاللَّه أَعْلَمُ .
أَيْ فَإِنْ أَبَوْا حُكْمك وَأَعْرَضُوا عَنْهُ
أَيْ يُعَذِّبهُمْ بِالْجَلَاءِ وَالْجِزْيَة وَالْقَتْل , وَكَذَلِكَ كَانَ , وَإِنَّمَا قَالَ : " بِبَعْضِ " لِأَنَّ الْمُجَازَاة بِالْبَعْضِ كَانَتْ كَافِيَة فِي التَّدْمِير عَلَيْهِمْ .
يَعْنِي الْيَهُود .