قَرَأَ الْأَعْمَش وَحَمْزَة بِنَصْبِ الْفِعْل عَلَى أَنْ تَكُون اللَّام لَام كَيْ , وَالْبَاقُونَ بِالْجَزْمِ عَلَى الْأَمْر ; فَعَلَى الْأَوَّل تَكُون اللَّام مُتَعَلِّقَة بِقَوْلِهِ : " وَآتَيْنَاهُ " فَلَا يَجُوز الْوَقْف ; أَيْ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيل لِيَحْكُم أَهْله بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فِيهِ , وَمَنْ قَرَأَهُ عَلَى الْأَمْر فَهُوَ كَقَوْلِهِ : " وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنهمْ " [ الْمَائِدَة : 49 ] فَهُوَ إِلْزَام مُسْتَأْنَف يُبْتَدَأ بِهِ , أَيْ لِيَحْكُم أَهْل الْإِنْجِيل أَيْ فِي ذَلِكَ الْوَقْت , فَأَمَّا الْآن فَهُوَ مَنْسُوخ , وَقِيلَ : هَذَا أَمْر لِلنَّصَارَى الْآن بِالْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَإِنَّ فِي الْإِنْجِيل وُجُوب الْإِيمَان بِهِ , وَالنَّسْخ إِنَّمَا يُتَصَوَّر فِي الْفُرُوع لَا فِي الْأُصُول . قَالَ مَكِّيّ : وَالِاخْتِيَار الْجَزْم ; لِأَنَّ الْجَمَاعَة عَلَيْهِ ; وَلِأَنَّ مَا بَعْده مِنْ الْوَعِيد وَالتَّهْدِيد يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ إِلْزَام مِنْ اللَّه تَعَالَى لِأَهْلِ الْإِنْجِيل . قَالَ النَّحَّاس : وَالصَّوَاب عِنْدِي أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ حَسَنَتَانِ ; لِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُنَزِّل كِتَابًا إِلَّا لِيُعْمَل بِمَا فِيهِ , وَأَمَرَ بِالْعَمَلِ بِمَا فِيهِ ; فَصَحَّتَا جَمِيعًا .
نَزَلَتْ كُلّهَا فِي الْكُفَّار ; ثَبَتَ ذَلِكَ فِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ حَدِيث الْبَرَاء , وَقَدْ تَقَدَّمَ , وَعَلَى هَذَا الْمُعْظَمُ . فَأَمَّا الْمُسْلِم فَلَا يَكْفُر وَإِنْ اِرْتَكَبَ كَبِيرَة . وَقِيلَ : فِيهِ إِضْمَار ; أَيْ وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه رَدًّا لِلْقُرْآنِ , وَجَحْدًا لِقَوْلِ الرَّسُول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فَهُوَ كَافِر ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد , فَالْآيَة عَامَّة عَلَى هَذَا . قَالَ اِبْن مَسْعُود وَالْحَسَن : هِيَ عَامَّة فِي كُلّ مَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُود وَالْكُفَّار أَيْ مُعْتَقِدًا ذَلِكَ وَمُسْتَحِلًّا لَهُ ; فَأَمَّا مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَهُوَ مُعْتَقِد أَنَّهُ رَاكِب مُحَرَّمٍ فَهُوَ مِنْ فُسَّاق الْمُسْلِمِينَ , وَأَمْره إِلَى اللَّه تَعَالَى إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ , وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ , وَقَالَ اِبْن عَبَّاس فِي رِوَايَة : وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَقَدْ فَعَلَ فِعْلًا يُضَاهِي أَفْعَال الْكُفَّار , وَقِيلَ : أَيْ وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِجَمِيعِ مَا أَنْزَلَ اللَّه فَهُوَ كَافِر ; فَأَمَّا مَنْ حَكَمَ بِالتَّوْحِيدِ وَلَمْ يَحْكُم بِبَعْضِ الشَّرَائِع فَلَا يَدْخُل فِي هَذِهِ الْآيَة , وَالصَّحِيح الْأَوَّل , إِلَّا أَنَّ الشَّعْبِيّ قَالَ : هِيَ فِي الْيَهُود خَاصَّة , وَاخْتَارَهُ النَّحَّاس ; قَالَ : وَيَدُلّ عَلَى ذَلِكَ ثَلَاثَة أَشْيَاء ; مِنْهَا أَنَّ الْيَهُود قَدْ ذُكِرُوا قَبْل هَذَا فِي قَوْله : " لِلَّذِينَ هَادُوا " ; فَعَادَ الضَّمِير عَلَيْهِمْ , وَمِنْهَا أَنَّ سِيَاق الْكَلَام يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ ; أَلَا تَرَى أَنَّ بَعْده " وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ " فَهَذَا الضَّمِير لِلْيَهُودِ بِإِجْمَاعٍ ; وَأَيْضًا فَإِنَّ الْيَهُود هُمْ الَّذِينَ أَنْكَرُوا الرَّجْم وَالْقِصَاص . فَإِنْ قَالَ قَائِل : " مَنْ " إِذَا كَانَتْ لِلْمُجَازَاةِ فَهِيَ عَامَّة إِلَّا أَنْ يَقَع دَلِيل عَلَى تَخْصِيصهَا ؟ قِيلَ لَهُ : " مَنْ " هُنَا بِمَعْنَى الَّذِي مَعَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْأَدِلَّة ; وَالتَّقْدِير : وَالْيَهُود الَّذِينَ لَمْ يَحْكُمُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ ; فَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ مَا قِيلَ فِي هَذَا ; وَيُرْوَى أَنَّ حُذَيْفَة سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَات أَهِيَ فِي بَنِي إِسْرَائِيل ؟ قَالَ : نَعَمْ هِيَ فِيهِمْ , وَلَتَسْلُكُنَّ سَبِيلهمْ حَذْو النَّعْل بِالنَّعْلِ . وَقِيلَ : " الْكَافِرُونَ " لِلْمُسْلِمِينَ , و " الظَّالِمُونَ " لِلْيَهُودِ , و " الْفَاسِقُونَ " لِلنَّصَارَى ; وَهَذَا اِخْتِيَار أَبِي بَكْر بْن الْعَرَبِيّ , قَالَ : لِأَنَّهُ ظَاهِر الْآيَات , وَهُوَ اِخْتِيَار اِبْن عَبَّاس وَجَابِر بْن زَيْد وَابْن أَبِي زَائِدَة وَابْن شُبْرُمَة وَالشَّعْبِيّ أَيْضًا . قَالَ طَاوُس وَغَيْره : لَيْسَ بِكُفْرٍ يَنْقُل عَنْ الْمِلَّة , وَلَكِنَّهُ كُفْر دُون كُفْر , وَهَذَا يَخْتَلِف إِنْ حَكَمَ بِمَا عِنْده عَلَى أَنَّهُ مِنْ عِنْد اللَّه , فَهُوَ تَبْدِيل لَهُ يُوجِب الْكُفْر ; وَإِنْ حَكَمَ بِهِ هَوًى وَمَعْصِيَة فَهُوَ ذَنْب تُدْرِكهُ الْمَغْفِرَة عَلَى أَصْل أَهْل السُّنَّة فِي الْغُفْرَان لِلْمُذْنِبِينَ . قَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَمَذْهَب الْخَوَارِج أَنَّ مَنْ اِرْتَشَى وَحَكَمَ بِغَيْرِ حُكْم اللَّه فَهُوَ كَافِر , وَعُزِيَ هَذَا إِلَى الْحَسَن وَالسُّدِّيّ , وَقَالَ الْحَسَن أَيْضًا : أَخَذَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْحُكَّام ثَلَاثَة أَشْيَاء : أَلَّا يَتَّبِعُوا الْهَوَى , وَأَلَّا يَخْشَوْا النَّاس وَيَخْشَوْهُ , وَأَلَّا يَشْتَرُوا بِآيَاتِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا .