فِيهِ أَرْبَع مَسَائِل الْأُولَى : أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ قَوْمًا مِنْ قَبْلنَا قَدْ سَأَلُوا آيَات مِثْلهَا , فَلَمَّا أُعْطُوهَا وَفُرِضَتْ عَلَيْهِمْ كَفَرُوا بِهَا , وَقَالُوا : لَيْسَتْ مِنْ عِنْد اللَّه ; وَذَلِكَ كَسُؤَالِ قَوْم صَالِح النَّاقَة , وَأَصْحَاب عِيسَى الْمَائِدَة ; وَهَذَا تَحْذِير مِمَّا وَقَعَ فِيهِ مَنْ سَبَقَ مِنْ الْأُمَم , وَاللَّه أَعْلَمُ .
الثَّانِيَة : إِنْ قَالَ قَائِل : مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ كَرَاهِيَة السُّؤَال وَالنَّهْي عَنْهُ , يُعَارِضهُ قَوْله تَعَالَى : " فَاسْأَلُوا أَهْل الذِّكْر إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ " [ النَّحْل : 43 ] فَالْجَوَاب ; أَنَّ هَذَا الَّذِي أَمَرَ اللَّه بِهِ عِبَاده هُوَ مَا تَقَرَّرَ وَثَبَتَ وُجُوبه مِمَّا يَجِب عَلَيْهِمْ الْعَمَل بِهِ , وَاَلَّذِي جَاءَ فِيهِ النَّهْي هُوَ مَا لَمْ يَتَعَبَّد اللَّه عِبَاده بِهِ ; وَلَمْ يَذْكُرهُ فِي كِتَابه . وَاللَّه أَعْلَمُ . الثَّالِثَة : رَوَى مُسْلِم عَنْ عَامِر بْن سَعْد عَنْ أَبِيهِ قَالَ , قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْء لَمْ يُحَرَّم عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَحُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَجْل مَسْأَلَته ) . قَالَ الْقُشَيْرِيّ أَبُو نَصْر : وَلَوْ لَمْ يَسْأَل الْعَجْلَانِيّ عَنْ الزِّنَى لَمَا ثَبَتَ اللِّعَان . قَالَ أَبُو الْفَرَج الْجَوْزِيّ : هَذَا مَحْمُول عَلَى مَنْ سَأَلَ عَنْ الشَّيْء عَنَتًا وَعَبَثًا فَعُوقِبَ بِسُوءِ قَصْده بِتَحْرِيمِ مَا سَأَلَ عَنْهُ ; وَالتَّحْرِيم يَعُمّ .
الرَّابِعَة : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : لَا تَعَلُّق لِلْقَدَرِيَّةِ بِهَذَا الْحَدِيث فِي أَنَّ اللَّه تَعَالَى يَفْعَل شَيْئًا مِنْ أَجْل شَيْء وَبِسَبَبِهِ , تَعَالَى اللَّه عَنْ ذَلِكَ ; فَإِنَّ اللَّه عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير , وَهُوَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيم ; بَلْ السَّبَب وَالدَّاعِي فِعْل مِنْ أَفْعَاله , لَكِنْ سَبَقَ الْقَضَاء وَالْقَدَر أَنْ يُحَرَّم الشَّيْء الْمَسْئُول عَنْهُ إِذَا وَقَعَ السُّؤَال فِيهِ ; لَا أَنَّ السُّؤَال مُوجِب لِلتَّحْرِيمِ , وَعِلَّة لَهُ , وَمِثْله كَثِير " لَا يُسْأَل عَمَّا يَفْعَل وَهُمْ يُسْأَلُونَ " [ الْأَنْبِيَاء : 23 ] .