تفسير الطبري

سورة الحجرات الآية ٣

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَٰتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ ۚ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ﴿٣﴾
وَقَوْله : { أُولَئِكَ الَّذِينَ اِمْتَحَنَ اللَّه قُلُوبهمْ لِلتَّقْوَى } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتهمْ عِنْد رَسُول اللَّه , هُمْ الَّذِينَ اِخْتَبَرَ اللَّه قُلُوبهمْ بِامْتِحَانِهِ إِيَّاهَا , فَاصْطَفَاهَا وَأَخْلَصَهَا لِلتَّقْوَى , يَعْنِي لِاتِّقَائِهِ بِأَدَاءِ طَاعَته , وَاجْتِنَاب مَعَاصِيه , كَمَا يُمْتَحَن الذَّهَب بِالنَّارِ , فَيَخْلُص جَيِّدهَا , وَيَبْطُل خَبِيثهَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24528 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { اِمْتَحَنَ اللَّه قُلُوبهمْ } قَالَ : أَخْلَصَ . 24529 -حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { اِمْتَحَنَ اللَّه قُلُوبهمْ } قَالَ : أَخْلَصَ اللَّه قُلُوبهمْ فِيمَا أَحَبَّ .


وَقَوْله : { لَهُمْ مَغْفِرَة } يَقُول : لَهُمْ مِنْ اللَّه عَفْو عَنْ ذُنُوبهمْ السَّالِفَة , وَصَفْح مِنْهُ عَنْهَا لَهُمْ { وَأَجْر عَظِيم } يَقُول : وَثَوَاب جَزِيل , وَهُوَ الْجَنَّة .
إن الذين يخفضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين اختبر الله قلوبهم, وأخلصها لتقواه, لهم من الله مغفرة لذنوبهم وثواب جزيل, وهو الجنة.
إن الذين يَخْفِضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين اختبر الله قلوبهم، وأخلصها لتقواه، لهم من الله مغفرة لذنوبهم وثواب جزيل، وهو الجنة.
"إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتهمْ عِنْد رَسُول اللَّه أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ" اخْتَبَرَ "اللَّه قُلُوبهمْ لِلتَّقْوَى" أَيْ لِتَظْهَر مِنْهُمْ "لَهُمْ مَغْفِرَة وَأَجْر عَظِيم" الْجَنَّة وَنَزَلَ فِي قَوْم جَاءُوا وَقْت الظَّهِيرَة وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَنْزِله فَنَادَوْهُ
أَيْ أَخْلَصَهَا لَهَا وَجَعَلَهَا أَهْلًا وَمَحَلًّا" لَهُمْ مَغْفِرَة وَأَجْر عَظِيم " وَقَدْ قَالَ الْإِمَام أَحْمَد فِي كِتَاب الزُّهْد حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ مَنْصُور عَنْ مُجَاهِد قَالَ كُتِبَ إِلَى عُمَرَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ رَجُلٌ لَا يَشْتَهِي الْمَعْصِيَةَ وَلَا يَعْمَلُ بِهَا أَفْضَلُ أَمْ رَجُلٌ يَشْتَهِي الْمَعْصِيَةَ وَلَا يَعْمَلُ بِهَا ؟ فَكَتَبَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَهُونَ الْمَعْصِيَة وَلَا يَعْمَلُونَ بِهَا " أُولَئِكَ الَّذِينَ اِمْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبهمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَة وَأَجْر عَظِيم " .
أَيْ يُخْفِضُونَ أَصْوَاتهمْ عِنْده إِذَا تَكَلَّمُوا إِجْلَالًا لَهُ , أَوْ كَلَّمُوا غَيْره بَيْن يَدَيْهِ إِجْلَالًا لَهُ . قَالَ أَبُو هُرَيْرَة : لَمَّا نَزَلَتْ " لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتكُمْ " قَالَ أَبُو بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : وَاَللَّه لَا أَرْفَع صَوْتِي إِلَّا كَأَخِي السِّرَار . وَذَكَرَ سُنَيْد قَالَ : حَدَّثَنَا عَبَّاد بْن الْعَوَّام عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ أَبِي سَلَمَة قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : " لَا تُقَدِّمُوا بَيْن يَدَيْ اللَّه وَرَسُوله " [ الْحُجُرَات : 1 ] قَالَ أَبُو بَكْر : وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ لَا أُكَلِّمك بَعْد هَذَا إِلَّا كَأَخِي السِّرَار . وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر : لَمَّا نَزَلَتْ : " لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتكُمْ " مَا حَدَّثَ عُمَر عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد ذَلِكَ فَسُمِعَ كَلَامه حَتَّى يَسْتَفْهِمهُ مِمَّا يُخْفِض , فَنَزَلَتْ : " إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتهمْ عِنْد رَسُول اللَّه أُولَئِكَ الَّذِينَ اِمْتَحَنَ اللَّه قُلُوبهمْ لِلتَّقْوَى " .


قَالَ الْفَرَّاء : أَيْ أَخْلَصَهَا لِلتَّقْوَى . وَقَالَ الْأَخْفَش : أَيْ اِخْتَصَّهَا لِلتَّقْوَى . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : " اِمْتَحَنَ اللَّه قُلُوبهمْ لِلتَّقْوَى " طَهَّرَهُمْ مِنْ كُلّ قَبِيح , وَجَعَلَ فِي قُلُوبهمْ الْخَوْف مِنْ اللَّه وَالتَّقْوَى . وَقَالَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : أَذْهَبَ عَنْ قُلُوبهمْ الشَّهَوَات . وَالِامْتِحَان اِفْتِعَال مِنْ مَحَنْت الْأَدِيم مَحْنًا حَتَّى أَوْسَعْته . فَمَعْنَى اِمْتَحَنَ اللَّه قُلُوبهمْ لِلتَّقْوَى وَسَّعَهَا وَشَرَحَهَا لِلتَّقْوَى . وَعَلَى الْأَقْوَال الْمُتَقَدِّمَة : اِمْتَحَنَ قُلُوبهمْ فَأَخْلَصَهَا , كَقَوْلِك : اِمْتَحَنْت الْفِضَّة أَيْ اِخْتَبَرْتهَا حَتَّى خَلَصَتْ . فَفِي الْكَلَام حَذْف يَدُلّ عَلَيْهِ الْكَلَام , وَهُوَ الْإِخْلَاص . وَقَالَ أَبُو عَمْرو : كُلّ شَيْء جَهَدْته فَقَدْ مَحَنْته . وَأَنْشَدَ : أَتَتْ رَذَايَا بَادِيًا كَلَالهَا قَدْ مَحَنَتْ وَاضْطَرَبَتْ آطَالهَا
مشاركة الموضوع