تفسير الطبري

سورة الفتح الآية ٥

لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتِ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عِندَ ٱللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًۭا ﴿٥﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لِيُدْخِل الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّر عَنْهُمْ سَيِّئَاتهمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّا فَتَحْنَا لَك فَتْحًا مُبِينًا , لِتَشْكُر رَبّك , وَتَحْمَدهُ عَلَى ذَلِكَ , فَيَغْفِر لَك مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبك وَمَا تَأَخَّرَ , وَلْيَحْمَدْ رَبّهمْ الْمُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ , وَيَشْكُرُوهُ عَلَى إِنْعَامه عَلَيْهِمْ بِمَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ الْفَتْح الَّذِي فَتَحَهُ , وَقَضَاهُ بَيْنهمْ وَبَيْن أَعْدَائِهِمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ , بِإِظْهَارِهِ إِيَّاهُمْ عَلَيْهِمْ , فَيُدْخِلهُمْ بِذَلِكَ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار , مَاكِثِينَ فِيهَا إِلَى غَيْر نِهَايَة وَلْيُكَفِّرْ عَنْهُمْ سَيِّئ أَعْمَالهمْ بِالْحَسَنَاتِ الَّتِي يَعْمَلُونَهَا شُكْرًا مِنْهُمْ لِرَبِّهِمْ عَلَى مَا قَضَى لَهُمْ , وَأَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْر الرِّوَايَة أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ لَمَّا قَالَ الْمُؤْمِنُونَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَوْ تَلَا عَلَيْهِمْ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ { إِنَّا فَتَحْنَا لَك فَتْحًا مُبِينًا . لِيَغْفِر لَك اللَّه مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبك وَمَا تَأَخَّرَ } هَذَا لَك يَا رَسُول اللَّه , فَمَاذَا لَنَا ؟ تَبْيِينًا مِنْ اللَّه لَهُمْ مَا هُوَ فَاعِل بِهِمْ . 24353 - حَدَّثَنَا عَلِيّ , قَالَ : ثَنَا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { لِيُدْخِل الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار } . .. إِلَى قَوْله : { وَيُكَفِّر عَنْهُمْ سَيِّئَاتهمْ } فَأَعْلَمَ اللَّه سُبْحَانه نَبِيّه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام . وَقَوْله : { لِيُدْخِل الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات } عَلَى اللَّام مِنْ قَوْله : { لِيَغْفِر لَك اللَّه مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبك } بِتَأْوِيلِ تَكْرِير الْكَلَام { إِنَّا فَتَحْنَا لَك فَتْحًا فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِر لَك اللَّه } , إِنَّا فَتَحْنَا لَك لِيُدْخِل الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار , وَلِذَلِكَ لَمْ تَدْخُل الْوَاو الَّتِي تَدْخُل فِي الْكَلَام لِلْعَطْفِ , فَلَمْ يَقُلْ : وَلْيُدْخِل الْمُؤْمِنِينَ .

يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَكَانَ مَا وَعَدَهُمْ اللَّه بِهِ مِنْ هَذِهِ الْعِدَة , وَذَلِكَ إِدْخَالهمْ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار , وَتَكْفِيره سَيِّئَاتهمْ بِحَسَنَاتِ أَعْمَالهمْ الَّتِي يَعْمَلُونَهَا عِنْد اللَّه لَهُمْ

يَقُول : ظَفَرًا مِنْهُمْ بِمَا كَانُوا تَأَمَّلُوهُ وَيَسْعَوْنَ لَهُ , وَنَجَاة مِمَّا كَانُوا يَحْذَرُونَهُ مِنْ عَذَاب اللَّه عَظِيمًا .
ليدخل الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحت أشجارها وقصورها الأنهار, ماكثين فيها أبدا, ويمحو عنهم سيء ما عملوا, فلا يعاقبهم عليه, وكان ذلك الجزاء عند الله نجاة من كل غم, وظفرا بكل مطلوب.
ليدخل الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري مِن تحت أشجارها وقصورها الأنهار، ماكثين فيها أبدًا، ويمحو عنهم سيِّئ ما عملوا، فلا يعاقبهم عليه، وكان ذلك الجزاء عند الله نجاة من كل غم، وظَفَرًا بكل مطلوب.
"لِيُدْخِل" مُتَعَلِّق بِمَحْذُوفٍ أَيْ أَمَرَ بِالْجِهَادِ
قَدْ تَقَدَّمَ حَدِيث أَنَس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ حِين قَالُوا هَنِيئًا لَك يَا رَسُول اللَّه هَذَا لَك فَمَا لَنَا ؟ فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى " لِيُدْخِل الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار خَالِدِينَ فِيهَا " أَيْ مَاكِثِينَ فِيهَا أَبَدًا " وَيُكَفِّر عَنْهُمْ سَيِّئَاتهمْ" أَيْ خَطَايَاهُمْ وَذُنُوبهمْ فَلَا يُعَاقِبهُمْ عَلَيْهَا بَلْ يَعْفُو وَيَصْفَح وَيَغْفِر وَيَسْتُر وَيَرْحَم وَيَشْكُر " وَكَانَ ذَلِكَ عِنْد اللَّه فَوْزًا عَظِيمًا " كَقَوْلِهِ جَلَّ وَعَلَا " فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّار وَأُدْخِلَ الْجَنَّة فَقَدْ فَازَ " الْآيَة.
أَيْ أَنْزَلَ السَّكِينَة لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا . ثُمَّ تِلْكَ الزِّيَادَة بِسَبَبِ إِدْخَالهمْ الْجَنَّة . وَقِيلَ : اللَّام فِي " لِيُدْخِل " يَتَعَلَّق بِمَا يَتَعَلَّق بِهِ اللَّام فِي قَوْله : " لِيَغْفِر لَك اللَّه " وَقِيلَ : لَمَّا قَرَأَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَصْحَابه " لِيَغْفِر لَك اللَّه مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبك وَمَا تَأَخَّرَ " قَالُوا : هَنِيئًا لَك يَا رَسُول اللَّه , فَمَاذَا لَنَا ؟ فَنَزَلَ : " لِيُدْخِل الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات جَنَّات " وَلَمَّا قَرَأَ " وَيُتِمّ نِعْمَته عَلَيْك " قَالُوا : هَنِيئًا لَك , فَنَزَلَتْ : " وَأَتْمَمْت عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي " [ الْمَائِدَة : 3 ] فَلَمَّا قَرَأَ " وَيَهْدِيك صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا " نَزَلَ فِي حَقّ الْأُمَّة : " وَيَهْدِيكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا " [ الْفَتْح : 2 ] . وَلَمَّا قَالَ : " وَيَنْصُرك اللَّه نَصْرًا عَزِيزًا " [ الْفَتْح : 3 ] نَزَلَ : " وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْر الْمُؤْمِنِينَ " [ الرُّوم : 47 ] . وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " إِنَّ اللَّه وَمَلَائِكَته يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيّ يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا " [ الْأَحْزَاب : 56 ] . ثُمَّ قَالَ : " هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ " [ الْأَحْزَاب : 43 ] ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيّ .

أَيْ ذَلِكَ الْوَعْد مِنْ دُخُول مَكَّة وَغُفْرَان الذُّنُوب .

أَيْ نَجَاة مِنْ كُلّ غَمّ , وَظَفَرًا بِكُلِّ مَطْلُوب .
مشاركة الموضوع