فِي " قِيله " ثَلَاث قِرَاءَات : النَّصْب , وَالْجَرّ , وَالرَّفْع . فَأَمَّا الْجَرّ فَهِيَ قِرَاءَة عَاصِم وَحَمْزَة . وَبَقِيَّة السَّبْعَة بِالنَّصْبِ . وَأَمَّا الرَّفْع فَهِيَ قِرَاءَة الْأَعْرَج وَقَتَادَة وَابْن هُرْمُز وَمُسْلِم بْن جُنْدُب . فَمَنْ جَرَّ حَمَلَهُ عَلَى مَعْنَى : وَعِنْده عِلْم السَّاعَة وَعِلْم قِيله . وَمَنْ نَصَبَ فَعَلَى مَعْنَى : وَعِنْده عِلْم السَّاعَة وَيَعْلَم قِيله ; وَهَذَا اِخْتِيَار الزَّجَّاج .
وَقَالَ الْفَرَّاء وَالْأَخْفَش : يَجُوز أَنْ يَكُون " قِيله " عَطْفًا عَلَى قَوْله : " أَنَّا لَا نَسْمَع سِرّهمْ وَنَجْوَاهُمْ " [ الزُّخْرُف : 80 ] . قَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ : سَأَلْت أَبَا الْعَبَّاس مُحَمَّد بْن يَزِيد الْمُبَرِّد بِأَيِّ شَيْء تَنْصِب الْقِيل ؟ فَقَالَ : أَنْصِبهُ عَلَى " وَعِنْده عِلْم السَّاعَة وَيَعْلَم قِيله " . فَمِنْ هَذَا الْوَجْه لَا يَحْسُن الْوَقْف عَلَى " تُرْجَعُونَ " , وَلَا عَلَى " يَعْلَمُونَ " . وَيَحْسُن الْوَقْف عَلَى " يَكْتُبُونَ " .
وَأَجَازَ الْفَرَّاء وَالْأَخْفَش أَنْ يَنْصِب الْقِيل عَلَى مَعْنَى : لَا نَسْمَع سِرّهمْ وَنَجْوَاهُمْ وَقِيله ; كَمَا ذَكَرْنَا عَنْهُمَا فَمِنْ هَذَا الْوَجْه لَا يَحْسُن الْوَقْف عَلَى " يَكْتُبُونَ " . وَأَجَازَ الْفَرَّاء وَالْأَخْفَش أَيْضًا : أَنْ يُنْصَب عَلَى الْمَصْدَر ; كَأَنَّهُ قَالَ : وَقَالَ قِيله , وَشَكَا شَكْوَاهُ إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , كَمَا قَالَ كَعْب بْن زُهَيْر : تَمْشِي الْوُشَاة جَنَابَيْهَا وَقِيلهمْ إِنَّك يَا اِبْن أَبِي سَلْمَى لَمَقْتُول أَرَادَ : وَيَقُولُونَ قِيلهمْ . وَمَنْ رَفَعَ " قِيله " فَالتَّقْدِير : وَعِنْده قِيله , أَوْ قِيله مَسْمُوع , أَوْ قِيله هَذَا الْقَوْل . الزَّمَخْشَرِيّ : وَاَلَّذِي قَالُوهُ لَيْسَ بِقَوِيٍّ فِي الْمَعْنَى مَعَ وُقُوع الْفَصْل بَيْن الْمَعْطُوف وَالْمَعْطُوف عَلَيْهِ بِمَا لَا يَحْسُن اِعْتِرَاضًا وَمَعَ تَنَافُر النَّظْم . وَأَقْوَى مِنْ ذَلِكَ وَأَوْجَه أَنْ يَكُون الْجَرّ وَالنَّصْب عَلَى إِضْمَار حَرْف الْقَسَم وَحَذْفه .
وَالرَّفْع عَلَى قَوْلهمْ : أَيْمَن اللَّه وَأَمَانَة اللَّه وَيَمِين اللَّه وَلَعَمْرك , وَيَكُون قَوْله : " إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْم لَا يُؤْمِنُونَ " جَوَاب الْقَسَم ; كَأَنَّهُ قَالَ : وَأَقْسَمَ بِقِيلِهِ يَا رَبّ , أَوْ قِيله يَا رَبّ قَسَمِي , إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْم لَا يُؤْمِنُونَ . وَقَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ : وَيَجُوز فِي الْعَرَبِيَّة " وَقِيله " بِالرَّفْعِ , عَلَى أَنْ تَرْفَعهُ بِإِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْم لَا يُؤْمِنُونَ . الْمَهْدَوِيّ : أَوْ يَكُون عَلَى تَقْدِير وَقِيله قِيله يَا رَبّ ; فَحَذَفَ قِيله الثَّانِي الَّذِي هُوَ خَبَر , وَمَوْضِع " يَا رَبّ " نُصِبَ بِالْخَبَرِ الْمُضْمَر , وَلَا يَمْتَنِع ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ اِمْتَنَعَ حَذْف بَعْض الْمَوْصُول وَبَقِيَ بَعْضه ; لِأَنَّ حَذْف الْقَوْل قَدْ كَثُرَ حَتَّى صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْمَذْكُور .
وَالْهَاء فِي " قِيله " لِعِيسَى , وَقِيلَ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ جَرَى ذِكْره إِذْ قَالَ : " قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَد " [ الزُّخْرُف : 81 ] .
وَقَرَأَ أَبُو قِلَابَةَ " يَا رَبّ " بِفَتْحِ الْبَاء . وَالْقِيل مَصْدَر كَالْقَوْلِ ; وَمِنْهُ الْخَبَر [ نَهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ ] . وَيُقَال : قُلْت قَوْلًا وَقِيلًا وَقَالًا . وَفِي النِّسَاء " وَمَنْ أَصْدَق مِنْ اللَّه قِيلًا " [ النِّسَاء : 122 ] .