تفسير الطبري

سورة الزخرف الآية ٨

فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشًۭا وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلْأَوَّلِينَ ﴿٨﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَأَهْلَكْنَا أَشَدّ مِنْهُمْ بَطْشًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَأَهْلَكْنَا أَشَدّ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُسْتَهْزِئِينَ بِأَنْبِيَائِهِمْ بَطْشًا إِذَا بَطَشُوا فَلَمْ يُعْجِزُونَا بِقُوَاهُمْ وَشِدَّة بَطْشهمْ , وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الِامْتِنَاع مِنْ بَأْسنَا إِذْ أَتَاهُمْ , فَالَّذِينَ هُمْ أَضْعَف مِنْهُمْ قُوَّة أَحْرَى أَنْ لَا يَقْدِرُوا عَلَى الِامْتِنَاع مِنْ نِقَمنَا إِذَا حَلَّتْ بِهِمْ .

يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَمَضَى لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الْمُسْتَهْزِئِينَ بِك وَلِمَنْ قَبْلهمْ مِنْ ضُرَبَائِهِمْ مَثَلُنَا لَهُمْ فِي أَمْثَالهمْ مِنْ مُكَذِّبِي رُسُلنَا الَّذِينَ أَهْلَكْنَاهُمْ , يَقُول : فَلْيَتَوَقَّعْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَسْتَهْزِئُونَ بِك يَا مُحَمَّد مِنْ عُقُوبَتنَا مِثْل الَّذِي أَحْلَلْنَاهُ بِأُولَئِكَ الَّذِينَ أَقَامُوا عَلَى تَكْذِيبك . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23785 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَمَضَى مَثَل الْأَوَّلِينَ } قَالَ : عُقُوبَة الْأَوَّلِينَ . 23786 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { مَثَل الْأَوَّلِينَ } قَالَ : سُنَّتهمْ .
فأهلكنا من كذبوا رسلنا, وكأنوا أشد قوة وبأسا من قومك يا محمد, ومضت عقوبة الأولين بأن أهلكوا بسبب كفرهم وطغيانهم واستهزائهم بأنبيائهم.
وفي هذا تلبية للنبي صلى الله عليه وسلم.
كثيرًا من الأنبياء أرسلنا في القرون الأولى التي مضت قبل قومك أيها النبي. وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزئون كاستهزاء قومك بك، فأهلكنا مَن كذَّبوا رسلنا، وكانوا أشد قوة وبأسًا من قومك يا محمد، ومضت عقوبة الأولين بأن أهلِكوا؛ بسبب كفرهم وطغيانهم واستهزائهم بأنبيائهم. وفي هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم.
"فَأَهْلَكْنَا أَشَدّ مِنْهُمْ" مِنْ قَوْمك "بَطْشًا" قُوَّة "وَمَضَى" سَبَقَ فِي آيَات "مَثَل الْأَوَّلِينَ" صِفَتهمْ فِي الْإِهْلَاك فَعَاقِبَة قَوْمك كَذَلِكَ
أَيْ فَأَهْلَكْنَا الْمُكَذِّبِينَ بِالرُّسُلِ وَقَدْ كَانُوا أَشَدّ بَطْشًا مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ لَك يَا مُحَمَّد كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ " أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْض فَيَنْظُرُوا كَيْف كَانَ عَاقِبَة الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ كَانُوا أَكْثَر مِنْهُمْ وَأَشَدّ قُوَّة " وَالْآيَات فِي ذَلِكَ كَثِيرَة جِدًّا . وَقَوْله جَلَّ جَلَاله" وَمَضَى مَثَل الْأَوَّلِينَ " قَالَ مُجَاهِد : سُنَّتهمْ وَقَالَ قَتَادَة : عُقُوبَتهمْ وَقَالَ غَيْرهمَا : عِبْرَتهمْ أَيْ جَعَلْنَاهُمْ عِبْرَة لِمَنْ بَعْدهمْ مِنْ الْمُكَذِّبِينَ أَنْ يُصِيبهُمْ مَا أَصَابَهُمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي آخِر هَذِهِ السُّورَة " فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ " وَكَقَوْلِهِ جَلَّتْ عَظَمَته " سُنَّة اللَّه الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَاده " وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ " وَلَنْ تَجِد لِسُنَّةِ اللَّه تَبْدِيلًا " .
أَيْ قَوْمًا أَشَدّ مِنْهُمْ قُوَّة . وَالْكِنَايَة فِي " مِنْهُمْ " تَرْجِع إِلَى الْمُشْرِكِينَ الْمُخَاطَبِينَ بِقَوْلِهِ : " أَفَنَضْرِب عَنْكُمْ الذِّكْر صَفْحًا " فَكَنَّى عَنْهُمْ بَعْد أَنْ خَاطَبَهُمْ . و " أَشَدّ " نُصِبَ عَلَى الْحَال . وَقِيلَ : هُوَ مَفْعُول ; أَيْ فَقَدْ أَهْلَكْنَا أَقْوَى مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ فِي أَبْدَانهمْ وَأَتْبَاعهمْ .

أَيْ عُقُوبَتهمْ ; عَنْ قَتَادَة وَقِيلَ : صَفْحَة الْأَوَّلِينَ ; فَخَبَّرَهُمْ بِأَنَّهُمْ أَهْلَكُوا عَلَى كُفْرهمْ ; حَكَاهُ النَّقَّاش وَالْمَهْدَوِيّ .

وَالْمَثَل : الْوَصْف وَالْخَبَر .
مشاركة الموضوع