تفسير الطبري

سورة الشورى الآية ٤٩

لِّلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَٰثًۭا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ ﴿٤٩﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لِلَّهِ مُلْك السَّمَوَات وَالْأَرْض يَخْلُق مَا يَشَاء يَهَب لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَب لِمَنْ يَشَاء الذُّكُور } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لِلَّهِ سُلْطَان السَّمَوَات السَّبْع وَالْأَرَضِينَ , يَفْعَل فِي سُلْطَانه مَا يَشَاء , وَيَخْلُق مَا يُحِبّ خَلْقه , يَهَب لِمَنْ يَشَاء مِنْ خَلْقه مِنْ الْوَلَد الْإِنَاث دُون الذُّكُور , بِأَنْ يَجْعَل كُلّ مَا حَمَلَتْ زَوْجَته مِنْ حَمْل مِنْهُ أُنْثَى { وَيَهَب لِمَنْ يَشَاء الذُّكُور } يَقُول : وَيَهَب لِمَنْ يَشَاء مِنْهُمْ الذُّكُور , بِأَنْ يَجْعَل كُلّ حَمْل حَمَلَتْهُ امْرَأَته ذَكَرًا لَا أُنْثَى فِيهِمْ. 23758 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { أَوْ يُزَوِّجهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا } قَالَ : يَخْلِط بَيْنهمْ يَقُول : التَّزْوِيج : أَنْ تَلِد الْمَرْأَة غُلَامًا , ثُمَّ تَلِد جَارِيَة , ثُمَّ تَلِد غُلَامًا , ثُمَّ تَلِد جَارِيَة . 23759 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { يَهَب لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَب لِمَنْ يَشَاء الذُّكُور } قَادِر وَاللَّه رَبّنَا عَلَى ذَلِكَ أَنْ يَهَب لِلرَّجُلِ ذُكُورًا لَيْسَتْ مَعَهُمْ أُنْثَى , وَأَنْ يَهَب لِلرَّجُلِ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا , فَيَجْمَعهُمْ لَهُ جَمِيعًا , { وَيَجْعَل مَنْ يَشَاء عَقِيمًا } لَا يُولَد لَهُ . 23760 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ , فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { يَهَب لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَب لِمَنْ يَشَاء الذُّكُور } لَيْسَتْ مَعَهُمْ إِنَاث { أَوْ يُزَوِّجهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا } قَالَ : يَهَب لَهُمْ إِنَاثًا وَذُكْرَانًا , وَيَجْعَل مَنْ يَشَاء عَقِيمًا لَا يُولَد لَهُ . 23761 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { وَيَجْعَل مَنْ يَشَاء عَقِيمًا } يَقُول : لَا يُلَقِّح . 23762 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَيَجْعَل مَنْ يَشَاء عَقِيمًا } لَا يَلِد وَاحِدًا وَلَا اثْنَيْنِ . 23763 - حَدَّثَنَا عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد اللَّه , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { يَهَب لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَب لِمَنْ يَشَاء الذُّكُور } لَيْسَ فِيهِمْ أُنْثَى { أَوْ يُزَوِّجهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا } تَلِد الْمَرْأَة ذَكَرًا مَرَّة وَأُنْثَى مَرَّة { وَيَجْعَل مَنْ يَشَاء عَقِيمًا } لَا يُولَد لَهُ. وَقَالَ ابْن زَيْد : فِي مَعْنَى قَوْله : { أَوْ يُزَوِّجهُمْ } مَا : 23764 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد : فِي قَوْله : { أَوْ يُزَوِّجهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا } قَالَ : أَوْ يَجْعَل فِي الْوَاحِد ذَكَرًا وَأُنْثَى تَوْأَمًا , هَذَا قَوْله : { أَوْ يُزَوِّجهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا } .
لله سبحانه وتعالى ملك السموات والأرض وما فيهما, يخلق ما يشاء من الخلق, يهب لمن يشاء من عباده إناثا لا ذكور معهن , ويهب لمن يشاء الذكور لا إناث معهم .
لله سبحانه وتعالى ملك السموات والأرض وما فيهما، يخلق ما يشاء من الخلق، يهب لمن يشاء من عباده إناثًا لا ذكور معهن، ويهب لمن يشاء الذكور لا إناث معهم، ويعطي سبحانه وتعالى لمن يشاء من الناس الذكر والأنثى، ويجعل مَن يشاء عقيمًا لا يولد له، إنه عليم بما يَخْلُق، قدير على خَلْق ما يشاء، لا يعجزه شيء أراد خلقه.
"لِلَّهِ مُلْك السَّمَاوَات وَالْأَرْض يَخْلُق مَا يَشَاء يَهَب لِمَنْ يَشَاء" مِنْ الْأَوْلَاد
يُخْبِر تَعَالَى أَنَّهُ خَالِق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَالِكهمَا وَالْمُتَصَرِّف فِيهِمَا وَأَنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ وَأَنَّهُ يُعْطِي مَنْ يَشَاء وَيَمْنَع مَنْ يَشَاء وَلَا مَانِع لِمَا أَعْطَى وَلَا مُعْطِي لِمَا مَنَعَ وَأَنَّهُ يَخْلُق مَا يَشَاء " يَهَب لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا " أَيْ يَرْزُقهُ الْبَنَات فَقَطْ قَالَ الْبَغَوِيّ وَمِنْهُمْ لُوط عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام " وَيَهَب لِمَنْ يَشَاء الذُّكُور " أَيْ يَرْزُقهُ الْبَنِينَ فَقَطْ قَالَ الْبَغَوِيّ كَإِبْرَاهِيم الْخَلِيل عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لَمْ يُولَد لَهُ أُنْثَى.
" لِلَّهِ مُلْك السَّمَاوَات وَالْأَرْض " اِبْتِدَاء وَخَبَر . " يَخْلُق مَا يَشَاء " مِنْ الْخَلْق .

قَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَأَبُو مَالِك وَمُجَاهِد وَالْحَسَن وَالضِّحَاك : يَهَب لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا لَا ذُكُور مَعَهُنَّ , وَيَهَب لِمَنْ يَشَاء ذُكُورًا لَا إِنَاثًا مَعَهُمْ ; وَأَدْخَلَ الْأَلِف وَاللَّام عَلَى الذُّكُور دُون الْإِنَاث لِأَنَّهُمْ أَشْرَف فَمَيَّزَهُمْ بِسِمَةِ التَّعْرِيف . وَقَالَ وَاثِلَة بْن الْأَسْقَع : إِنَّ مِنْ يُمْن الْمَرْأَة تَبْكِيرهَا بِالْأُنْثَى قَبْل الذَّكَر , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ : " يَهَب لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَب لِمَنْ يَشَاء الذُّكُور " فَبَدَأَ بِالْإِنَاثِ .
مشاركة الموضوع