تفسير الطبري

سورة الشورى الآية ٣٣

إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِۦٓ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّكُلِّ صَبَّارٍۢ شَكُورٍ ﴿٣٣﴾
وَقَوْله : { إِنْ يَشَأْ يُسْكِن الرِّيح فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِد عَلَى ظَهْره } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنْ يَشَأِ اللَّه الَّذِي قَدْ أَجْرَى هَذِهِ السُّفُن فِي الْبَحْر أَنْ لَا تَجْرِي فِيهِ , أَسْكَنَ الرِّيح الَّتِي تَجْرِي بِهَا فِيهِ , فَثَبَتْنَ فِي مَوْضِع وَاحِد , وَوَقَفْنَ عَلَى ظَهْر الْمَاء لَا تَجْرِي , فَلَا تَتَقَدَّم وَلَا تَتَأَخَّر . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23728 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَمِنْ آيَاته الْجَوَار فِي الْبَحْر كَالْأَعْلَامِ إِنْ يَشَأْ يُسْكِن الرِّيح فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِد عَلَى ظَهْره } سُفُن هَذَا الْبَحْر تَجْرِي بِالرِّيحِ فَإِذَا أُمْسِكَتْ عَنْهَا الرِّيح رَكَدَتْ , قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَات لِكُلِّ صَبَّار شَكُور } . 23729 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ { إِنْ يَشَأْ يُسْكِن الرِّيح فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِد عَلَى ظَهْره } لَا تَجْرِي . 23730 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِد عَلَى ظَهْره } يَقُول : وُقُوفًا .


وَقَوْله : { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَات لِكُلِّ صَبَّار شَكُور } يَقُول : إِنَّ فِي جَرْي هَذِهِ الْجَوَارِي فِي الْبَحْر بِقُدْرَةِ اللَّه لَعِظَة وَعِبْرَة وَحُجَّة بَيِّنَة عَلَى قُدْرَة اللَّه عَلَى مَا يَشَاء , لِكُلِّ ذِي صَبْر عَلَى طَاعَة اللَّه , شَكُور لِنِعَمِهِ وَأَيَادِيه عِنْده .
إن يشاء الله الذي أجرى هذه السفن في البحر يسكن الريح, فتسبق السفن سواكن على ظهر البحر لا تجري , إن في جري هذه السفن ووقوفها في البحر بقدرة الله لعظات وحججا بينة على قدرة الله لكل صبار على طاعة الله, شكور لنعمه وأفضاله.
ومن آياته الدالة على قدرته الباهرة وسلطانه القاهر السفن العظيمة كالجبال تجري في البحر. إن يشأ الله الذي أجرى هذه السفن في البحر يُسكن الريح، فتَبْقَ السفن سواكن على ظهر البحر لا تجري، إن في جَرْي هذه السفن ووقوفها في البحر بقدرة الله لَعظات وحججًا بيِّنة على قدرة الله لكل صبار على طاعة الله، شكور لنعمه وأفضاله.
"إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيح فَيَظْلَلْنَ" يَصِرْنَ "رَوَاكِد" ثَوَابِت لَا تَجْرِي "عَلَى ظَهْره إنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَات لِكُلِّ صَبَّار شَكُور" هُوَ الْمُؤْمِن يَصْبِر فِي الشِّدَّة وَيَشْكُر فِي الرَّخَاء
أَيْ الَّتِي تَسِير فِي الْبَحْر بِالسُّفُنِ لَوْ شَاءَ لَسَكَنَهَا حَتَّى لَا تَتَحَرَّك السُّفُن بَلْ تَبْقَى رَاكِدَة لَا تَجِيء وَلَا تَذْهَب بَلْ وَاقِفَة عَلَى ظَهْره أَيْ عَلَى وَجْه الْمَاء " إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَات لِكُلِّ صَبَّار " أَيْ فِي الشَّدَائِد " شَكُور " أَيْ إِنَّ فِي تَسْخِيره الْبَحْر وَإِجْرَائِهِ فِي الْهَوَى بِقَدْرِ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ لِسَيْرِهِمْ لَدَلَالَات عَلَى نِعَمه تَعَالَى عَلَى خَلْقه لِكُلِّ صَبَّار أَيْ فِي الشَّدَائِد شَكُور فِي الرَّخَاء .
كَذَا قَرَأَهُ أَهْل الْمَدِينَة " الرِّيَاح " بِالْجَمْعِ .

أَيْ فَتَبْقَى السُّفُن سَوَاكِن عَلَى ظَهْر الْبَحْر لَا تَجْرِي . رَكَدَ الْمَاء رُكُودًا سَكَنَ . وَكَذَلِكَ الرِّيح وَالسَّفِينَة , وَالسَّفِينَة , وَالشَّمْس إِذَا قَامَ قَائِم الظَّهِيرَة . وَكُلّ ثَابِت فِي مَكَان فَهُوَ رَاكِد . وَرَكَدَ الْمِيزَان اِسْتَوَى . وَرَكَدَ الْقَوْم هَدَءُوا . وَالْمَرَاكِد : الْمَوَاضِع الَّتِي يَرْكُد فِيهَا الْإِنْسَان وَغَيْره . وَقَرَأَ قَتَادَة " فَيَظْلِلْنَ " بِكَسْرِ اللَّام الْأُولَى عَلَى أَنْ يَكُون لُغَة , مِثْل ضَلَلْت أَضِلّ . وَفَتَحَ اللَّام وَهِيَ اللُّغَة الْمَشْهُورَة .

أَيْ دَلَالَات وَعَلَامَات

أَيْ صَبَّار عَلَى الْبَلْوَى شَكُور عَلَى النَّعْمَاء . قَالَ قُطْرُب : نِعْمَ الْعَبْد الصَّبَّار الشَّكُور , الَّذِي إِذَا أُعْطِيَ شَكَرَ وَإِذَا اُبْتُلِيَ صَبَرَ . قَالَ عَوْن بْن عَبْد اللَّه : فَكَمْ مِنْ مُنْعِم عَلَيْهِ غَيْر شَاكِر , وَكَمْ مِنْ مُبْتَلًى غَيْر صَابِر .
مشاركة الموضوع