تفسير الطبري

سورة الشورى الآية ١٤

وَمَا تَفَرَّقُوٓا۟ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌۭ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى لَّقُضِىَ بَيْنَهُمْ ۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ مِنۢ بَعْدِهِمْ لَفِى شَكٍّۢ مِّنْهُ مُرِيبٍۢ ﴿١٤﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْد مَا جَاءَهُمُ الْعِلْم بَغْيًا بَيْنهمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَا تَفَرَّقَ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ فِي أَدْيَانهمْ فَصَارُوا أَحْزَابًا , إِلَّا مِنْ بَعْد مَا جَاءَهُمُ الْعِلْم , بِأَنَّ الَّذِي أَمَرَهُمْ اللَّه بِهِ , وَبَعَثَ بِهِ نُوحًا , هُوَ إِقَامَة الدِّين الْحَقّ , وَأَنْ لَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ. 23666 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْد مَا جَاءَهُمُ الْعِلْم } فَقَالَ : إِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَة فَإِنَّهَا هَلَكَة { بَغْيًا بَيْنهمْ } يَقُول : بَغْيًا مِنْ بَعْضكُمْ عَلَى بَعْض وَحَسَدًا وَعَدَاوَة عَلَى طَلَب الدُّنْيَا .

يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَلَوْلَا قَوْل سَبَقَ يَا مُحَمَّد مِنْ رَبّك لَا يُعَاجِلهُمْ بِالْعَذَابِ , وَلَكِنَّهُ أَخَّرَ ذَلِكَ إِلَى أَجَل مُسَمًّى , وَذَلِكَ الْأَجَل الْمُسَمَّى فِيمَا ذُكِرَ : يَوْم الْقِيَامَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23667 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ { وَلَوْلَا كَلِمَة سَبَقَتْ مِنْ رَبّك إِلَى أَجَل مُسَمًّى } قَالَ : يَوْم الْقِيَامَة .

وَقَوْله : { لَقُضِيَ بَيْنهمْ } يَقُول : لَفَرَغَ رَبّك مِنَ الْحُكْم بَيْن هَؤُلَاءِ الْمُخْتَلِفِينَ فِي الْحَقّ الَّذِي بَعَثَ بِهِ نَبِيّه نُوحًا مِنْ بَعْد عِلْمهمْ بِهِ , بِإِهْلَاكِهِ أَهْل الْبَاطِل مِنْهُمْ , وَإِظْهَاره أَهْل الْحَقّ عَلَيْهِمْ .

وَقَوْله : { وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَاب مِنْ بَعْدهمْ } يَقُول : وَإِنَّ الَّذِينَ أَتَاهُمْ اللَّه مِنْ بَعْد هَؤُلَاءِ الْمُخْتَلِفِينَ فِي الْحَقّ كِتَابه التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْله : { وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَاب مِنْ بَعْدهمْ } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23668 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَوْله : { وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَاب مِنْ بَعْدهمْ } قَالَ : الْيَهُود وَالنَّصَارَى .

يَقُول : لَفِي شَكّ مِنْ الدِّين الَّذِي وَصَّى اللَّه بِهِ نُوحًا , وَأَوْحَاهُ إِلَيْك يَا مُحَمَّد , وَأَمَرَكُمَا بِإِقَامَتِهِ مُرِيب .
وما تفرق المشركون بالله في أديانهم فصاروا شيعا وأحزابا إلا من بعدما جاءهم العلم وقامت الحجة عليهم, وما حملهم على ذلك إلا البغي والعناد, ولولا كلمة سبقت من ربك- يا محمد- بتأخير العذاب عنهم إلى أجل مسمى وهو يوم القيامة, لقضي بينهم بتعجيل عذاب الكافرين منهم.
فإن الذين أورثوا التوراة والإنجيل من بعد هؤلاء المختلفين في الحق لفي شك من الدين والإيمان موقع في الريبة والاختلاف المذموم.
وما تفرَّق المشركون بالله في أديانهم فصاروا شيعًا وأحزابًا إلا مِن بعد ما جاءهم العلم وقامت الحجة عليهم، وما حملهم على ذلك إلا البغي والعناد، ولولا كلمة سبقت من ربك -أيها الرسول- بتأخير العذاب عنهم إلى أجل مسمى وهو يوم القيامة، لقضي بينهم بتعجيل عذاب الكافرين منهم. وإن الذين أورثوا التوراة والإنجيل من بعد هؤلاء المختلفين في الحق لفي شك من الدين والإيمان موقعٍ في الريبة والاختلاف المذموم.
"وَمَا تَفَرَّقُوا" أَيْ أَهْل الْأَدْيَان فِي الدِّين بِأَنْ وَحَّدَ بَعْض وَكَفَرَ بَعْض "إلَّا مِنْ بَعْد مَا جَاءَهُمُ الْعِلْم" بِالتَّوْحِيدِ "بَغْيًا" مِنْ الْكَافِرِينَ "بَيْنهمْ وَلَوْلَا كَلِمَة سَبَقَتْ مِنْ رَبّك" بِتَأْخِيرِ الْجَزَاء "إلَى أَجَل مُسَمَّى" يَوْم الْقِيَامَة "لَقُضِيَ بَيْنهمْ" بِتَعْذِيبِ الْكَافِرِينَ فِي الدُّنْيَا "وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَاب مِنْ بَعْدهمْ" وَهُمْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى "لَفِي شَكّ مِنْهُ" مِنْ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "مُرِيب" مُوقِع فِي الرِّيبَة
قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى " وَمَا اِخْتَلَفُ إِلَّا مِنْ بَعْد مَا جَاءَهُمْ الْعِلْم " أَيْ إِنَّمَا كَانَ مُخَالَفَتهمْ لِلْحَقِّ بَعْد بُلُوغه إِلَيْهِمْ وَقِيَام الْحُجَّة عَلَيْهِمْ وَمَا حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا الْبَغْي وَالْعِنَاد وَالْمُشَاقَّة ثُمَّ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ " وَلَوْلَا كَلِمَة سَبَقَتْ مِنْ رَبّك إِلَى أَجَل مُسَمًّى " أَيْ لَوْلَا الْكَلِمَة السَّابِقَة مِنْ اللَّه تَعَالَى بِإِنْظَارِ الْعِبَاد بِإِقَامَةِ حِسَابهمْ إِلَى يَوْم الْمَعَاد لَعَجَّلَ عَلَيْهِمْ الْعُقُوبَة فِي الدُّنْيَا سَرِيعًا . وَقَوْله جَلَّتْ عَظَمَته " وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَاب مِنْ بَعْدهمْ" يَعْنِي الْجِيل الْمُتَأَخِّر بَعْد الْقَرْن الْأَوَّل الْمُكَذِّب لِلْحَقِّ " لَفِي شَكّ مِنْهُ مُرِيب " أَيْ لَيْسُوا عَلَى يَقِين مِنْ أَمْرهمْ وَإِيمَانهمْ وَإِنَّمَا هُمْ مُقَلِّدُونَ لِآبَائِهِمْ وَأَسْلَافهمْ بِلَا دَلِيل وَلَا بُرْهَان وَهُمْ فِي حَيْرَة مِنْ أَمْرهمْ وَشَكّ مُرِيب وَشِقَاق بَعِيد .
" وَمَا تَفَرَّقُوا " قَالَ اِبْن عَبَّاس : يَعْنِي قُرَيْشًا . " إِلَّا مِنْ بَعْد مَا جَاءَهُمْ الْعِلْم " مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; وَكَانُوا يَتَمَنَّوْنَ أَنْ يُبْعَث إِلَيْهِمْ نَبِيّ ; دَلِيله قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة فَاطِر : " وَأَقْسَمُوا بِاَللَّهِ جَهْد أَيْمَانهمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِير " [ فَاطِر : 42 ] يُرِيد نَبِيًّا . وَقَالَ فِي سُورَة الْبَقَرَة : " فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ " [ الْبَقَرَة : 89 ] عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانه هُنَاكَ . وَقِيلَ : أُمَم الْأَنْبِيَاء الْمُتَقَدِّمِينَ ; فَإِنَّهُمْ فِيمَا بَيْنهمْ اِخْتَلَفُوا لَمَّا طَالَ بِهِمْ الْمَدَى , فَآمَنَ قَوْم وَكَفَرَ قَوْم . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا : يَعْنِي أَهْل الْكِتَاب ; دَلِيله فِي سُورَة الْمُنْفَكِّينَ : " وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب إِلَّا مِنْ بَعْد مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَة " [ الْبَيِّنَة : 4 ] . فَالْمُشْرِكُونَ قَالُوا : لِمَ خُصَّ بِالنُّبُوَّةِ ! وَالْيَهُود حَسَدُوهُ لَمَّا بُعِثَ ; وَكَذَا النَّصَارَى . " بَغْيهمْ بَيْنهمْ " أَيْ بَغْيًا مِنْ بَعْضهمْ عَلَى بَعْض طَلَبًا لِلرِّيَاسَةِ , فَلَيْسَ تَفَرُّقهمْ لِقُصُورٍ فِي الْبَيَان وَالْحُجَج , وَلَكِنْ لِلْبَغْيِ وَالظُّلْم وَالِاشْتِغَال بِالدُّنْيَا . " وَلَوْلَا كَلِمَة سَبَقَتْ مِنْ رَبّك " فِي تَأْخِير الْعِقَاب عَنْ هَؤُلَاءِ . " إِلَى أَجَل مُسَمًّى " قِيلَ : الْقِيَامَة ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " بَلْ السَّاعَة مَوْعِدهمْ " [ الْقَمَر : 46 ] . وَقِيلَ : إِلَى الْأَجَل الَّذِي قُضِيَ فِيهِ بِعَذَابِهِمْ . " لَقُضِيَ بَيْنهمْ " أَيْ بَيَّنَ مَنْ آمَنَ وَبَيَّنَ مَنْ كَفَرَ بِنُزُولِ الْعَذَاب . " وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَاب " يُرِيد الْيَهُود وَالنَّصَارَى . " مِنْ بَعْدهمْ " أَيْ مِنْ بَعْد الْمُخْتَلِفِينَ فِي الْحَقّ . " لَفِي شَكّ مِنْهُ مُرِيب " مَنْ الَّذِي أَوْصَى بِهِ الْأَنْبِيَاء . وَالْكِتَاب هُنَا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل . وَقِيلَ : " إِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَاب " قُرَيْش . " مِنْ بَعْدهمْ " مِنْ بَعْد الْيَهُود النَّصَارَى . " لَفِي شَكّ " مِنْ الْقُرْآن أَوْ مِنْ مُحَمَّد . وَقَالَ مُجَاهِد : مَعْنَى " مِنْ بَعْدهمْ " مِنْ قَبْلهمْ ; يَعْنِي مِنْ قَبْل مُشْرِكِي مَكَّة , وَهُمْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى .
مشاركة الموضوع