تفسير الطبري

سورة غافر الآية ٥٠

قَالُوٓا۟ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ ۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ ۚ قَالُوا۟ فَٱدْعُوا۟ ۗ وَمَا دُعَٰٓؤُا۟ ٱلْكَٰفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَٰلٍ ﴿٥٠﴾
وَقَوْله : { قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَتْ خَزَنَة جَهَنَّم لَهُمْ : أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ فِي الدُّنْيَا رُسُلكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ الْحُجَج عَلَى تَوْحِيد اللَّه , فَتُوَحِّدُوهُ وَتُؤْمِنُوا بِهِ , وَتَتَبَرَّءُوا مِمَّا دُونه مِنْ الْآلِهَة ؟ قَالُوا : بَلَى , قَدْ أَتَتْنَا رُسُلنَا بِذَلِكَ .


وَقَوْله : { قَالُوا فَادْعُوا } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : قَالَتْ الْخَزَنَة لَهُمْ : فَادْعُوا إِذَنْ رَبّكُمْ الَّذِي أَتَتْكُمْ الرُّسُل بِالدُّعَاءِ إِلَى الْإِيمَان بِهِ . وَقَوْله : { وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَال } يَقُول : قَدْ دَعَوْا وَمَا دُعَاؤُهُمْ إِلَّا فِي ضَلَال , لِأَنَّهُ دُعَاء لَا يَنْفَعهُمْ , وَلَا يُسْتَجَاب لَهُمْ , بَلْ يُقَال لَهُمْ : { اِخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ } 23 108
قال خزنة جهنم لهم توبيخا: هذا الدعاء لا ينفعكم في شيء, أولم تأتكم رسلكم بالحجج الواضحة من الله فكذبتموهم؟ فاعترف الجاحدون بذلك وقالوا: بلى فتبرأ خزنة جهنم منهم وقالوا: نحن لا ندعو لكم, ولا نشفع فيكم, فادعوا أنتم, ولكن هذا الدعاء لا يغني شيئا؟ لأنكم كافرون وما دعاء الكافرين إلا في ضياع لا يقبل, ولا يستجاب.
قال خزنة جهنم لهم توبيخًا: هذا الدعاء لا ينفعكم في شيء، أولم تأتكم رسلكم بالحجج الواضحة من الله فكذبتموهم؟ فاعترف الجاحدون بذلك وقالوا: بلى. فتبرأ خزنة جهنم منهم وقالوا: نحن لا ندعو لكم، ولا نشفع فيكم، فادعوا أنتم، ولكن هذا الدعاء لا يغني شيئًا؛ لأنكم كافرون. وما دعاء الكافرين إلا في ضياع لا يُقبل، ولا يُستجاب.
"قَالُوا" أَيْ الْخَزَنَة تَهَكُّمًا "أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ" بِالْمُعْجِزَاتِ الظَّاهِرَات "قَالُوا بَلَى" أَيْ فَكَفَرُوا بِهِمْ "قَالُوا فَادْعُوا" أَنْتُمْ فَإِنَّا لَا نَشْفَع لِلْكَافِرِينَ "وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إلَّا فِي ضَلَال" انْعِدَام
قَالَتْ لَهُمْ الْخَزَنَة رَادِّينَ عَلَيْهِمْ " أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ " أَيْ أَوَمَا قَامَتْ عَلَيْكُمْ الْحُجَج فِي الدُّنْيَا عَلَى أَلْسِنَة الرُّسُل " قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا " أَيْ أَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَنَحْنُ لَا نَدْعُو لَكُمْ وَلَا نَسْمَع مِنْكُمْ وَلَا نَوَدُّ خَلَاصكُمْ وَنَحْنُ مِنْكُمْ بُرَاء ثُمَّ نُخْبِركُمْ أَنَّهُ سَوَاء دَعَوْتُمْ أَوْ لَمْ تَدْعُوا لَا يُسْتَجَاب لَكُمْ وَلَا يُخَفَّف عَنْكُمْ وَلِهَذَا قَالُوا " وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَال " أَيْ إِلَّا فِي ذَهَاب لَا يُقْبَل وَلَا يُسْتَجَاب .
قَالَ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ : بَلَغَنِي أَوْ ذُكِرَ لِي أَنَّ أَهْل النَّار اِسْتَغَاثُوا بِالْخَزَنَةِ ; فَقَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّار لِخَزَنَةِ جَهَنَّم اُدْعُوا رَبّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنْ الْعَذَاب " فَسَأَلُوا يَوْمًا وَاحِدًا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ فِيهِ الْعَذَاب فَرَدَّتْ عَلَيْهِمْ " أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَال " الْخَبَر بِطُولِهِ . وَفِي الْحَدِيث عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيْره قَالَ : يُلْقَى عَلَى أَهْل النَّار الْجُوع حَتَّى يَعْدِل مَا هُمْ فِيهِ مِنْ الْعَذَاب , فَيَسْتَغِيثُونَ مِنْهُ فَيُغَاثُونَ بِالضَّرِيعِ لَا يُسْمِن وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوع , فَيَأْكُلُونَهُ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ شَيْئًا , فَيَسْتَغِيثُونَ فَيُغَاثُونَ بِطَعَامٍ ذِي غُصَّة فَيَغَصُّونَ بِهِ , فَيَذْكُرُونَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا يُجِيزُونَ الْغَصَص بِالْمَاءِ , فَيَسْتَغِيثُونَ بِالشَّرَابِ فَيُرْفَع لَهُمْ الْحَمِيم بِالْكَلَالِيبِ , فَإِذَا دَنَا مِنْ وُجُوههمْ شَوَاهَا , فَإِذَا وَقَعَ فِي بُطُونهمْ قَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ وَمَا فِي بُطُونهمْ , فَيَسْتَغِيثُونَ بِالْمَلَائِكَةِ يَقُولُونَ : " اُدْعُوا رَبّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنْ الْعَذَاب " فَيُجِيبُوهُمْ " أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَال " أَيْ خَسَار وَتَبَار .
مشاركة الموضوع