تفسير الطبري

سورة غافر الآية ٣٦

وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَٰهَٰمَٰنُ ٱبْنِ لِى صَرْحًۭا لَّعَلِّىٓ أَبْلُغُ ٱلْأَسْبَٰبَ ﴿٣٦﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقَالَ فِرْعَوْن يَا هَامَان اِبْن لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغ الْأَسْبَاب } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَقَالَ فِرْعَوْن لَمَّا وَعَظَهُ الْمُؤْمِن مِنْ آله بِمَا وَعَظَهُ بِهِ وَزَجَرَهُ عَنْ قَتْل مُوسَى نَبِيّ اللَّه وَحَذَّرَهُ مِنْ بَأْس اللَّه عَلَى قِيله أَقْتُلهُ مَا حَذَّرَهُ لِوَزِيرِهِ وَزِير السُّوء هَامَان : { يَا هَامَان اِبْن لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغ الْأَسْبَاب } يَعْنِي بِنَاء . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الصَّرْح فِيمَا مَضَى بِشَوَاهِدِهِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . { لَعَلِّي أَبْلُغ الْأَسْبَاب } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى الْأَسْبَاب فِي هَذَا الْمَوْضِع , فَقَالَ بَعْضهمْ : أَسْبَاب السَّمَوَات : طُرُقهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23400 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن هِشَام , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن مُوسَى , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ أَبِي صَالِح { أَسْبَاب السَّمَوَات } قَالَ : طُرُق السَّمَوَات . 23401 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ { أَبْلُغ الْأَسْبَاب أَسْبَاب السَّمَوَات } قَالَ : طُرُق السَّمَوَات . وَقَالَ آخَرُونَ : عُنِيَ بِأَسْبَابِ السَّمَوَات : أَبْوَاب السَّمَوَات . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23402 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَقَالَ فِرْعَوْن يَا هَامَان اِبْن لِي صَرْحًا } وَكَانَ أَوَّل مَنْ بَنَى بِهَذَا الْآجُرّ وَطَبَخَهُ { لَعَلِّي أَبْلُغ الْأَسْبَاب أَسْبَاب السَّمَوَات } : أَيْ أَبْوَاب السَّمَوَات . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِهِ مَنْزِل السَّمَاء . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23403 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { لَعَلِّي أَبْلُغ الْأَسْبَاب أَسْبَاب السَّمَوَات } قَالَ : مَنْزِل السَّمَاء . وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى قَبْل , أَنَّ السَّبَب : هُوَ كُلّ مَا تُسُبِّبَ بِهِ إِلَى الْوُصُول إِلَى مَا يُطْلَب مِنْ حَبْل وَسُلَّم وَطَرِيق وَغَيْر ذَلِكَ . فَأَوْلَى الْأَقْوَال بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : مَعْنَاهُ لَعَلِّي أَبْلُغ مِنْ أَسْبَاب السَّمَوَات أَسْبَابًا أَتَسَيَّب بِهَا إِلَى رُؤْيَة إِلَه مُوسَى , طُرُقًا كَانَتْ تِلْكَ الْأَسْبَاب مِنْهَا , أَوْ أَبْوَابًا , أَوْ مَنَازِل , أَوْ غَيْر ذَلِكَ .
وقال فرعون مكذبا لموسى في دعوته إلى الإقرار برب العالمين والتسليم له: يا هامان إبن لي بناء عظيما; لعلي أبلغ أبواب السموات وما يوصلني إليها,
وقال فرعون مكذِّبًا لموسى في دعوته إلى الإقرار برب العالمين والتسليم له: يا هامان ابْنِ لي بنًاء عظيمًا؛ لعلي أبلغ أبواب السماوات وما يوصلني إليها، فأنظر إلى إله موسى بنفسي، وإني لأظن موسى كاذبًا في دعواه أن لنا ربًا، وأنه فوق السماوات، وهكذا زُيَّن لفرعون عمله السيِّئ فرآه حسنًا، وصُدَّ عن سبيل الحق؛ بسبب الباطل الذي زُيِّن له، وما احتيال فرعون وتدبيره لإيهام الناس أنه محق، وموسى مبطل إلا في خسار وبوار، لا يفيده إلا الشقاء في الدنيا والآخرة.
"وَقَالَ فِرْعَوْن يَا هَامَان ابْنِ لِي صَرْحًا" بِنَاء عَالِيًا
يَقُول تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ فِرْعَوْن وَعُتُوِّهِ وَتَمَرُّده وَافْتِرَائِهِ فِي تَكْذِيبه مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَنَّهُ أَمَرَ وَزِيره هَامَان أَنْ يَبْنِي لَهُ صَرْحًا وَهُوَ الْقَصْر الْعَالِي الْمُنِيف الشَّاهِق وَكَانَ اِتِّخَاذه مِنْ الْآجُرّ الْمَضْرُوب مِنْ الطِّين الْمَشْوِيّ كَمَا قَالَ تَعَالَى " فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَان عَلَى الطِّين فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا " وَلِهَذَا قَالَ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ كَانُوا يَكْرَهُونَ الْبِنَاء بِالْآجُرِّ وَأَنْ يَجْعَلُوهُ فِي قُبُورهمْ رَوَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم.
لَمَّا قَالَ مُؤْمِن آل فِرْعَوْن مَا قَالَ , وَخَافَ فِرْعَوْن أَنْ يَتَمَكَّنَ كَلَام هَذَا الْمُؤْمِن فِي قُلُوب الْقَوْم , أَوْهَمَ أَنَّهُ يَمْتَحِن مَا جَاءَ بِهِ مُوسَى مِنْ التَّوْحِيد , فَإِنْ بَانَ لَهُ صَوَابه لَمْ يُخْفِهِ عَنْهُمْ , وَإِنْ لَمْ يَصِحّ ثَبَّتَهُمْ عَلَى دِينهمْ ; فَأَمَرَ وَزِيرَهُ هَامَان بِبِنَاءِ الصَّرْح . وَقَدْ مَضَى فِي [ الْقَصَص ] ذِكْره .
مشاركة الموضوع