تفسير الطبري

سورة النساء الآية ٨١

وَيَقُولُونَ طَاعَةٌۭ فَإِذَا بَرَزُوا۟ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌۭ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِى تَقُولُ ۖ وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ ۖ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا ﴿٨١﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَيَقُولُونَ طَاعَة فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدك بَيَّتَ طَائِفَة مِنْهُمْ غَيْر الَّذِي تَقُول وَاَللَّه يَكْتُب مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { وَيَقُولُونَ طَاعَة } يَعْنِي : الْفَرِيق الَّذِي أَخْبَرَ اللَّه عَنْهُمْ أَنَّهُمْ لَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَال , خَشُوا النَّاس كَخَشْيَةِ اللَّه وَأَشَدّ خَشْيَة , يَقُولُونَ لِنَبِيِّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَمَرَهُمْ بِأَمْرٍ : أَمْرك طَاعَة , وَلَك مِنَّا طَاعَة فِيمَا تَأْمُرنَا بِهِ وَتَنْهَانَا عَنْهُ ! { فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدك } يَقُول : فَإِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدك يَا مُحَمَّد { بَيَّتَ طَائِفَة مِنْهُمْ غَيْر الَّذِي تَقُول } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : غَيَّرَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ لَيْلًا الَّذِي تَقُول لَهُمْ . وَكُلّ عَمَل عُمِلَ لَيْلًا فَقَدْ بُيِّتَ , وَمِنْ ذَلِكَ بَيَّتَ الْعَدُوّ وَهُوَ الْوُقُوع بِهِمْ لَيْلًا , وَمِنْهُ قَوْل عُبَيْدَة بْن هَمَّام : أَتَوْنِي فَلَمْ أَرْضَ مَا بَيَّتُوا وَكَانُوا أَتَوْنِي بِشَيْءٍ نُكُر لِأُنْكِح أَيِّمهمْ مُنْذِرًا وَهَلْ يُنْكِح الْعَبْد حُرّ لِحُرّ يَعْنِي بِقَوْلِهِ : " فَلَمْ أَرْضَ مَا بَيَّتُوا لَيْلًا " : أَيْ مَا أَبْرَمُوهُ لَيْلًا وَعَزَمُوا عَلَيْهِ . وَمِنْهُ قَوْل النَّمِر بْن تَوْلَب الْعُكْلِيّ : هَبَّتْ لِتَعْذُلنِي بِلَيْلٍ اسْمَعِ ! سَفَهًا تُبَيِّتُك الْمَلَامَة فَاهْجَعِي يَقُول اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَاَللَّه يَكْتُب مَا يُبَيِّتُونَ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَاَللَّه يَكْتُب مَا يُغَيِّرُونَ مِنْ قَوْلك لَيْلًا فِي كُتُب أَعْمَالهمْ الَّتِي تَكْتُبهَا حَفَظَته . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7891 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَيَقُولُونَ طَاعَة فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدك بَيَّتَ طَائِفَة مِنْهُمْ غَيْر الَّذِي تَقُول } قَالَ : يُغَيِّرُونَ مَا عَهِدَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 7892 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن بَزِيع , قَالَ : ثنا يُوسُف بْن خَالِد , قَالَ : ثنا نَافِع بْن مَالِك , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله : { بَيَّتَ طَائِفَة مِنْهُمْ غَيْر الَّذِي تَقُول } قَالَ : غَيَّرَ أُولَئِكَ مَا قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 7893 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثني أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَيَقُولُونَ طَاعَة فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدك بَيَّتَ طَائِفَة مِنْهُمْ غَيْر الَّذِي تَقُول } قَالَ : غَيَّرَ أُولَئِكَ مَا قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَيَقُولُونَ طَاعَة فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدك بَيَّتَ طَائِفَة مِنْهُمْ غَيْر الَّذِي تَقُول وَاَللَّه يَكْتُب مَا يُبَيِّتُونَ } قَالَ : هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ يَقُولُونَ إِذَا حَضَرُوا النُّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَهُمْ بِأَمْرٍ قَالُوا : طَاعَة , فَإِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْده غَيَّرَتْ طَائِفَة مِنْهُمْ مَا يَقُول النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . { وَاَللَّه يَكْتُب مَا يُبَيِّتُونَ } يَقُول : مَا يَقُولُونَ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس : قَوْله : { وَيَقُولُونَ طَاعَة فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدك بَيَّتَ طَائِفَة مِنْهُمْ غَيْر الَّذِي تَقُول } قَالَ : يُغَيِّرُونَ مَا قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 7894 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس قَوْله : { وَيَقُولُونَ طَاعَة فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدك بَيَّتَ طَائِفَة مِنْهُمْ غَيْر الَّذِي تَقُول } وَهُمْ نَاس كَانُوا يَقُولُونَ عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آمَنَّا بِاَللَّهِ وَرَسُوله لِيَأْمَنُوا عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالهمْ , فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَالَفُوا إِلَى غَيْر مَا قَالُوا عِنْده ; فَعَابَهُمْ اللَّه , فَقَالَ : { بَيَّتَ طَائِفَة مِنْهُمْ غَيْر الَّذِي تَقُول } يَقُول : يُغَيِّرُونَ مَا قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 7895 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { بَيَّتَ طَائِفَة مِنْهُمْ غَيْر الَّذِي تَقُول } : هُمْ أَهْل النِّفَاق. وَأَمَّا رَفْع " طَاعَة " فَإِنَّهُ بِالْمَتْرُوكِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الظَّاهِر مِنْ الْقَوْل , وَهُوَ : أَمْرك طَاعَة , أَوْ مِنَّا طَاعَة . وَأَمَّا قَوْله : { بَيَّتَ طَائِفَة } فَإِنَّ التَّاء مِنْ بَيَّتَ تُحَرِّكهَا بِالْفَتْحِ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْعِرَاق وَسَائِر الْقُرَّاء , لِأَنَّهَا لَام فِعْل . وَكَانَ بَعْض قُرَّاء الْعِرَاق يُسَكِّنهَا ثُمَّ يُدْغِمهَا فِي الطَّاء لِمُقَارَبَتِهَا فِي الْمَخْرَج . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالصَّوَاب مِنْ الْقِرَاءَة فِي ذَلِكَ , تَرْك الْإِدْغَام , لِأَنَّهَا - أَعْنِي التَّاء وَالطَّاء - مِنْ حَرْفَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ; وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ تَرْك الْإِدْغَام أَفْصَح اللُّغَتَيْنِ عِنْد الْعَرَب , وَاللُّغَة الْأُخْرَى جَائِزَة - أَعْنِي الْإِدْغَام فِي ذَلِكَ - مَحْكِيَّة .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه وَكَفَى بِاَللَّهِ وَكِيلًا } . يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَأَعْرِضْ يَا مُحَمَّد عَنْ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَك فِيمَا تَأْمُرهُمْ : أَمْرك طَاعَة , فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدك خَالَفُوا مَا أَمَرْتهمْ بِهِ وَغَيَّرُوهُ إِلَى مَا نَهَيْتهمْ عَنْهُ , وَخَلِّهِمْ وَمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الضَّلَالَة , وَارْضَ لَهُمْ بِي مُنْتَقِمًا مِنْهُمْ , وَتَوَكَّلْ أَنْتَ يَا مُحَمَّد عَلَى اللَّه. يَقُول : أَيْ وَحَسْبك بِاَللَّهِ وَكِيلًا : أَيْ فِيمَا يَأْمُرك , وَوَلِيًّا لَهَا , وَدَافِعًا عَنْك وَنَاصِرًا .
ولا بد أن تكون طاعة الله ورسوله, ظاهرا وباطنا, في الحضرة والمغيب.
فأما من يظهر في الحضرة, الطاعة والالتزام, فإذا خلا بنفسه, أو أبناء جنسه, ترك الطاعة, وأقبل على ضدها, فإن الطاعة التي أظهرها, غير نافعة ولا مفيدة, وقد أشبه من قال الله فيهم: " وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ " أي: يظهرون الطاعة إذا كانوا عندك.
" فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ " أي: خرجوا, وخلوا في حالة لا يطلع فيها عليهم.
" بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ " أي: بيتوا ودبروا غير طاعتك ولا ثَمَّ إلا المعصية.
وفي قوله " بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ " دليل على أن الأمر الذي استقروا عليه, غير الطاعة, لأن التبييت, تدبير الأمر ليلا, على وجه يستقر عليه الرأي.
ثم توعدهم على ما فعلوا فقال: " وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ " أي: يحفظه عليهم, وسيجازيهم عليه أتم الجزاء, ففيه وعيد لهم.
ثم أمر رسوله, بمقابلتهم بالإعراض, وعدم التعنيف, فإنهم لا يضرونه شيئا, إذا توكل على الله, واستعان به, في نصر دينه, وإقامة شرعه.
ولهذا قال " فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا " .
ويُظْهر هؤلاء المعرضون، وهم في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، طاعتهم للرسول وما جاء به، فإذا ابتعدوا عنه وانصرفوا عن مجلسه، دبَّر جماعة منهم ليلا غير ما أعلنوه من الطاعة، وما علموا أن الله يحصي عليهم ما يدبرون، وسيجازيهم عليه أتم الجزاء، فتول عنهم -أيها الرسول- ولا تبال بهم، فإنهم لن يضروك، وتوكل على الله، وحسبك به وليّاً وناصرًا.
"وَيَقُولُونَ" أَيْ الْمُنَافِقُونَ إذَا جَاءُوك أُمِرْنَا "طَاعَة" لَك "فَإِذَا بَرَزُوا" خَرَجُوا "مِنْ عِنْدك بَيَّتَ طَائِفَة مِنْهُمْ" بِإِدْغَامِ التَّاء فِي الطَّاء وَتَرْكه أَيْ أَضْمَرَتْ "غَيْر الَّذِي تَقُول" لَك فِي حُضُورك مِنْ الطَّاعَة أَيْ عِصْيَانك "وَاَللَّه يَكْتُب" يَأْمُر بِكَتْبِ "مَا يُبَيِّتُونَ" فِي صَحَائِفهمْ لِيُجَازَوْا عَلَيْهِ "فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ" بِالصَّفْحِ "وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه" ثِقْ بِهِ فَإِنَّهُ كَافِيك "وَكَفَى بِاَللَّهِ وَكِيلًا" مُفَوَّضًا إلَيْهِ
وَقَوْله " وَيَقُولُونَ طَاعَة " يُخْبِر تَعَالَى عَنْ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّهُمْ يُظْهِرُونَ الْمُوَافَقَة وَالطَّاعَة " فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدك " أَيْ خَرَجُوا وَتَوَارَوْا عَنْك بَيَّتَ طَائِفَة مِنْهُمْ غَيْر الَّذِي تَقُول أَيْ اِسْتَسَرُّوا لَيْلًا فِيمَا بَيْنهمْ مَا أَظْهَرُوهُ لَك فَقَالَ تَعَالَى " وَاَللَّه يَكْتُب مَا يُبَيِّتُونَ " أَيْ يَعْلَمهُ وَيَكْتُبهُ عَلَيْهِمْ بِمَا يَأْمُر بِهِ حَفَظَتهُ الْكَاتِبِينَ الَّذِينَ هُمْ مُوَكَّلُونَ بِالْعِبَادِ وَالْمَعْنَى فِي هَذَا التَّهْدِيد أَنَّهُ تَعَالَى يُخْبِر بِأَنَّهُ عَالِم بِمَا يُضْمِرُونَهُ وَيُسِرُّونَهُ فِيمَا بَيْنهمْ وَمَا يَتَّفِقُونَ عَلَيْهِ لَيْلًا مِنْ مُخَالَفَة الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ وَعِصْيَانه وَإِنْ كَانُوا قَدْ أَظْهَرُوا لَهُ الطَّاعَة وَالْمُوَافَقَة وَسَيَجْزِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى " وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا " الْآيَة وَقَوْله " فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ " أَيْ اِصْفَحْ عَنْهُمْ وَاُحْلم عَلَيْهِمْ وَلَا تُؤَاخِذهُمْ وَلَا تَكْشِف أُمُورهمْ لِلنَّاسِ وَلَا تَخَفْ مِنْهُمْ أَيْضًا " وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه وَكَفَى بِاَللَّهِ وَكِيلًا " أَيْ كَفَى بِهِ وَلِيًّا وَنَاصِرًا وَمُعِينًا لِمَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ وَأَنَابَ إِلَيْهِ .
أَيْ أَمْرُنَا طَاعَة , وَيَجُوز " طَاعَةً " بِالنَّصْبِ , أَيْ نُطِيع طَاعَة , وَهِيَ قِرَاءَة نَصْر بْن عَاصِم وَالْحَسَن وَالْجَحْدَرِيّ . وَهَذَا فِي الْمُنَافِقِينَ فِي قَوْل أَكْثَر الْمُفَسِّرِينَ ; أَيْ يَقُولُونَ إِذَا كَانُوا عِنْدك : أَمْرُنَا طَاعَة , أَوْ نُطِيع طَاعَة , وَقَوْلهمْ هَذَا لَيْسَ بِنَافِعٍ ; لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَعْتَقِدْ الطَّاعَة لَيْسَ بِمُطِيعٍ حَقِيقَةً , لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى لَمْ يُحَقِّقْ طَاعَتهمْ بِمَا أَظْهَرُوهُ , فَلَوْ كَانَتْ الطَّاعَة بِلَا اِعْتِقَاد حَقِيقَة لِحُكْمٍ بِهَا لَهُمْ ; فَثَبَتَ أَنَّ الطَّاعَة بِالِاعْتِقَادِ مَعَ وُجُودهَا .



أَيْ خَرَجُوا مِنْ عِنْدك



فَذَكَرَ الطَّائِفَة لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى رِجَال . وَأَدْغَمَ الْكُوفِيُّونَ التَّاء فِي الطَّاء ; لِأَنَّهُمَا مِنْ مَخْرَج وَاحِد , وَاسْتَقْبَحَ ذَلِكَ الْكِسَائِيّ فِي الْفِعْل وَهُوَ عِنْد الْبَصْرِيِّينَ غَيْر قَبِيح . وَمَعْنَى " بَيَّتَ " زَوَّرَ وَمَوَّهَ . وَقِيلَ : غَيَّرَ وَبَدَّلَ وَحَرَّفَ ; أَيْ بَدَّلُوا قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا عَهِدَهُ إِلَيْهِمْ وَأَمَرَهُمْ بِهِ . وَالتَّبْيِيت التَّبْدِيل ; وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : أَتَوْنِي فَلَمْ أَرْضَ مَا بَيَّتُوا وَكَانُوا أَتَوْنِي بِأَمْرٍ نُكُرْ لِأُنْكِحَ أَيِّمَهُمْ مُنْذِرًا وَهَلْ يُنْكِحُ الْعَبْدَ حُرٌّ لِحُرْ آخَر : بَيَّتَ قَوْلِيَ عَبْدُ الْمَلِي كِ قَاتَلَهُ اللَّه عَبْدًا كَفُورًا وَبَيَّتَ الرَّجُل الْأَمْر إِذَا دَبَّرَ لَيْلًا ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنْ الْقَوْل " [ النِّسَاء : 108 ] . وَالْعَرَب تَقُول : أَمْر بُيِّتَ بِلَيْلٍ إِذَا أُحْكِمَ . وَإِنَّمَا خُصَّ اللَّيْل بِذَلِكَ لِأَنَّهُ وَقْت يُتَفَرَّغ فِيهِ . قَالَ الشَّاعِر : أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ بِلَيْلٍ فَلَمَّا أَصْبَحُوا أَصْبَحَتْ لَهُمْ ضَوْضَاءُ وَمِنْ هَذَا بَيَّتَ الصِّيَام . وَالْبَيُّوت : الْمَاء يَبِيت لَيْلًا . وَالْبَيوت : الْأَمْر يَبِيت عَلَيْهِ صَاحِبه مُهْتَمًّا بِهِ ; قَالَ الْهُذَلِيّ : وَأَجْعَل فِقْرَتَهَا عُدَّةً إِذَا خِفْت بَيُّوتَ أَمْر عُضَالِ وَالتَّبْيِيت وَالْبَيَات أَنْ يَأْتِي الْعَدُوّ لَيْلًا . وَبَاتَ يَفْعَل كَذَا إِذَا فَعَلَهُ لَيْلًا ; كَمَا يُقَال : ظَلَّ بِالنَّهَارِ . وَبَيَّتَ الشَّيْء قَدَّرَ . فَإِنْ قِيلَ : فَمَا وَجْه الْحِكْمَة فِي اِبْتِدَائِهِ بِذِكْرِ جُمْلَتهمْ ثُمَّ قَالَ : " بَيَّتَ طَائِفَة مِنْهُمْ " ؟ قِيلَ : إِنَّمَا عَبَّرَ عَنْ حَال مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ بَقِيَ عَلَى كُفْره وَنِفَاقه , وَصَفَحَ عَمَّنْ عَلِمَ أَنَّهُ سَيَرْجِعُ عَنْ ذَلِكَ . وَقِيلَ : إِنَّمَا عَبَّرَ عَنْ حَال مَنْ شَهِدَ وَحَارَ فِي أَمْره , وَأَمَّا مَنْ سَمِعَ وَسَكَتَ فَلَمْ يَذْكُرْهُ . وَاَللَّه أَعْلَم .


أَيْ يُثْبِتُهُ فِي صَحَائِف أَعْمَالهمْ لِيُجَازِيَهُمْ عَلَيْهِ . وَقَالَ الزَّجَّاج : الْمَعْنَى يُنَزِّلُهُ عَلَيْك فِي الْكِتَاب . وَفِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى أَنَّ مُجَرَّد الْقَوْل لَا يُفِيد شَيْئًا كَمَا ذَكَرْنَا ; فَإِنَّهُمْ قَالُوا : طَاعَة , وَلَفَظُوا بِهَا وَلَمْ يُحَقِّق اللَّه طَاعَتهمْ وَلَا حَكَمَ لَهُمْ بِصِحَّتِهَا ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْتَقِدُوهَا . فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَكُون الْمُطِيع مُطِيعًا إِلَّا بِاعْتِقَادِهَا مَعَ وُجُودهَا .


أَيْ لَا تُخْبِر بِأَسْمَائِهِمْ ; عَنْ الضَّحَّاك , يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ . وَقِيلَ : لَا تَعَاقُبِهِمْ .



ثُمَّ أَمَرَهُ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وَالثِّقَة بِهِ فِي النَّصْر عَلَى عَدُوّهُ . وَيُقَال : إِنَّ هَذَا مَنْسُوخ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " يَا أَيّهَا النَّبِيّ جَاهَدَ الْكُفَّار وَالْمُنَافِقِينَ " [ التَّوْبَة : 73 ]
مشاركة الموضوع