تفسير الطبري

سورة النساء الآية ٦٣

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِىٓ أَنفُسِهِمْ قَوْلًۢا بَلِيغًۭا ﴿٦٣﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَم اللَّه مَا فِي قُلُوبهمْ } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { أُولَئِكَ } هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ وَصَفْت لَك يَا مُحَمَّد صِفَتهمْ , يَعْلَم اللَّه مَا فِي قُلُوبهمْ - فِي اِحْتِكَامهمْ إِلَى الطَّاغُوت , وَتَرْكهمْ الِاحْتِكَام إِلَيْك , وَصُدُودهمْ عَنْك - مِنْ النِّفَاق وَالزَّيْغ , وَإِنْ حَلَفُوا بِاَللَّهِ مَا أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا ,

يَقُول : فَدَعْهُمْ فَلَا تُعَاقِبهمْ فِي أَبْدَانهمْ وَأَجْسَامهمْ , وَلَكِنْ عِظْهُمْ بِتَخْوِيفِك إِيَّاهُمْ بَأْس اللَّه أَنْ يَحِلّ بِهِمْ , وَعُقُوبَته أَنْ تَنْزِل بِدَارِهِمْ , وَحَذِّرْهُمْ مِنْ مَكْرُوه مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الشَّكّ فِي أَمْر اللَّه وَأَمْر رَسُوله .

يَقُول : مُرْهُمْ بِاتِّقَاءِ اللَّه وَالتَّصْدِيق بِهِ وَبِرَسُولِهِ وَوَعْده وَوَعِيده.
" أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ " أي: من النفاق والقصد السيئ.
" فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ " أي: لا تبال بهم ولا تقابلهم على ما فعلوه واقترفوه.
" وَعِظْهُمْ " أي: بين لهم حكم الله تعالى, مع الترغيب في الانقياد لله, والترهيب من تركه.
" وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا " أي: انصحهم سرا, بينك وبينهم, فإنه أنجح لحصول المقصود, وبالغ في زجرهم وقمعهم, عما كانوا عليه.
وفي هذا دليل على أن مقترف المعاصي, وإن أعرض عنه, فإنه ينصح سرا, ويبالغ في وعظه, بما يظن حصول المقصود به.
أولئك هم الذين يعلم الله حقيقة ما في قلوبهم من النفاق، فتولَّ عنهم، وحذِّرهم من سوء ما هم عليه، وقل لهم قولا مؤثرًا فيهم زاجرًا لهم.
"أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَم اللَّه مَا فِي قُلُوبهمْ" مِنْ النِّفَاق وَكَذِبهمْ فِي عُذْرهمْ "فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ" بِالصَّفْحِ "وَعِظْهُمْ" خَوِّفْهُمْ اللَّه "وَقُلْ لَهُمْ فِي" شَأْن "أَنْفُسهمْ قَوْلًا بَلِيغًا" مُؤَثِّرًا فِيهِمْ أَيْ اُزْجُرْهُمْ لِيَرْجِعُوا عَنْ كُفْرهمْ
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى " أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَم اللَّه مَا فِي قُلُوبهمْ " هَذَا الضَّرْب مِنْ النَّاس هُمْ الْمُنَافِقُونَ وَاَللَّه يَعْلَم مَا فِي قُلُوبهمْ وَسَيَجْزِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَة فَاكْتَفِ بِهِ يَا مُحَمَّد فِيهِمْ فَإِنَّهُ عَالِم بِظَوَاهِرِهِمْ وَبَوَاطِنهمْ . وَلِهَذَا قَالَ لَهُ " فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ " أَيْ لَا تُعَنِّفهُمْ عَلَى مَا فِي قُلُوبهمْ " وَعِظْهُمْ " أَيْ وَانْهَهُمْ عَمَّا فِي قُلُوبهمْ مِنْ النِّفَاق وَسَرَائِر الشَّرّ " وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسهمْ قَوْلًا بَلِيغًا " أَيْ وَانْصَحْهُمْ فِيمَا بَيْنك وَبَيْنهمْ بِكَلَامٍ بَلِيغ رَادِع لَهُمْ .
فَقَالَ اللَّه تَعَالَى مُكَذِّبًا لَهُمْ : " أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَم اللَّه مَا فِي قُلُوبهمْ " قَالَ الزَّجَّاج : مَعْنَاهُ قَدْ عَلِمَ اللَّه أَنَّهُمْ مُنَافِقُونَ . وَالْفَائِدَة لَنَا : اِعْلَمُوا أَنَّهُمْ مُنَافِقُونَ .



قِيلَ : عَنْ عِقَابهمْ . وَقِيلَ : عَنْ قَبُول اعْتِذَارهمْ



أَيْ خَوِّفْهُمْ . قِيلَ فِي الْمَلَا .


أَيْ اُزْجُرْهُمْ بِأَبْلَغ الزَّجْر فِي السِّرّ وَالْخَلَاء . الْحَسَن : قُلْ لَهُمْ إِنْ أَظْهَرْتُمْ مَا فِي قُلُوبكُمْ قَتَلْتُكُمْ . وَقَدْ بَلُغَ الْقَوْلُ بَلَاغَة ; وَرَجُلٌ بَلِيغ يَبْلُغ بِلِسَانِهِ كُنْهَ مَا فِي قَلْبه . وَالْعَرَب تَقُول : أَحْمَقُ بَلْغٌ وَبِلْغٌ , أَيْ نِهَايَة فِي الْحَمَاقَة . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ يَبْلُغ مَا يُرِيد وَإِنْ كَانَ أَحْمَق . وَيُقَال : إِنَّ قَوْله تَعَالَى : " فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَة بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهمْ " نَزَلَ فِي شَأْن الَّذِينَ بَنَوْا مَسْجِد الضِّرَار ; فَلَمَّا أَظْهَرَ اللَّه نِفَاقهمْ , وَأَمَرَهُمْ بِهَدْمِ الْمَسْجِد حَلَفُوا لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِفَاعًا عَنْ أَنْفُسهمْ : مَا أَرَدْنَا بِبِنَاءِ الْمَسْجِد إِلَّا طَاعَة اللَّه وَمُوَافَقَة الْكِتَاب .
مشاركة الموضوع