تفسير الطبري

سورة النساء الآية ١٢٧

وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنِّسَآءِ ۖ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَٰبِ فِى يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِى لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ وَأَن تَقُومُوا۟ لِلْيَتَٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ ۚ وَمَا تَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِۦ عَلِيمًۭا ﴿١٢٧﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَيَسْتَفْتُونَك فِي النِّسَاء قُلْ اللَّه يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَاب فِي يَتَامَى النِّسَاء الَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { وَيَسْتَفْتُونَك فِي النِّسَاء } وَيَسْأَلك يَا مُحَمَّد أَصْحَابك أَنْ تُفْتِيَهُمْ فِي أَمْر النِّسَاء , وَالْوَاجِب لَهُنَّ وَعَلَيْهِنَّ . فَاكْتَفَى بِذِكْرِ النِّسَاء مِنْ ذِكْر شَأْنهنَّ , لِدَلَالَةِ مَا ظَهَرَ مِنْ الْكَلَام عَلَى الْمُرَاد مِنْهُ . { قُلْ اللَّه يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ } قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّد : اللَّه يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ , يَعْنِي فِي النِّسَاء . { وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَاب فِي يَتَامَى النِّسَاء اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ } . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَاب } فَقَالَ بَعْضهمْ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ } قُلْ اللَّه يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ , وَفِيمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ , قَالُوا : وَاَلَّذِي يُتْلَى عَلَيْهِمْ هُوَ آيَات الْفَرَائِض , الَّتِي فِي أَوَّل هَذِهِ السُّورَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8311 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام بْن سَلْم , عَنْ عَمْرو بْن أَبِي قَيْس , عَنْ عَطَاء , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَيَسْتَفْتُونَك فِي النِّسَاء قُلْ اللَّه يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَاب } قَالَ : كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة لَا يُوَرِّثُونَ الْمَوْلُود حَتَّى يَكْبَر , وَلَا يُوَرِّثُونَ الْمَرْأَة ; فَلَمَّا كَانَ الْإِسْلَام قَالَ : { وَيَسْتَفْتُونَك فِي النِّسَاء قُلْ اللَّه يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَاب } فِي أَوَّل السُّورَة فِي الْفَرَائِض اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كَتَبَ اللَّه لَهُنَّ . 8312 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عَائِشَة : { وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَاب فِي يَتَامَى النِّسَاء اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ } قَالَتْ : هَذَا فِي الْيَتِيمَة تَكُون عِنْد الرَّجُل لَعَلَّهَا أَنْ تَكُون شَرِيكَته فِي مَاله , وَهُوَ أَوْلَى بِهَا مِنْ غَيْره , فَيَرْغَب عَنْهَا أَنْ يَنْكِحهَا وَيَعْضُلهَا لِمَالِهَا وَلَا يُنْكِحهَا غَيْره كَرَاهِيَة أَنْ يَشْرَكهُ أَحَد فِي مَالهَا . 8313 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع وَابْن حُمَيْد , قَالَا : ثنا جَرِير , عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : كَانُوا لَا يُوَرِّثُونَ فِي الْجَاهِلِيَّة النِّسَاء وَالصَّبِيّ حَتَّى يَحْتَلِم , فَأَنْزَلَ اللَّه : { وَيَسْتَفْتُونَك فِي النِّسَاء قُلْ اللَّه يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَاب فِي يَتَامَى النِّسَاء } فِي أَوَّل سُورَة النِّسَاء مِنْ الْفَرَائِض. 8314 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ أَشْعَث , عَنْ جَعْفَر , عَنْ شُعْبَة , قَالَ : كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة لَا يُوَرِّثُونَ الْيَتِيمَة وَلَا يَنْكِحُونَهَا وَيَعْضُلُونَهَا , فَأَنْزَلَ اللَّه : { وَيَسْتَفْتُونَك فِي النِّسَاء قُلْ اللَّه يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ } . .. إِلَى آخِر الْآيَة . 8315 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : أَخْبَرَنِي الْحَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه بْن كَثِير أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيد بْن جُبَيْر يَقُول فِي قَوْله : { وَيَسْتَفْتُونَك فِي النِّسَاء قُلْ اللَّه يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَاب فِي يَتَامَى النِّسَاء اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ } . .. الْآيَة , قَالَ : كَانَ لَا يَرِث إِلَّا الرَّجُل الَّذِي قَدْ بَلَغَ , لَا يَرِث الرَّجُل الصَّغِير , وَلَا الْمَرْأَة ; فَلَمَّا نَزَلَتْ آيَة الْمَوَارِيث فِي سُورَة النِّسَاء , شَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاس , وَقَالُوا : يَرِث الصَّغِير الَّذِي لَا يَعْمَل فِي الْمَال وَلَا يَقُوم فِيهِ , وَالْمَرْأَة هِيَ كَذَلِكَ فَيَرِثَانِ كَمَا يَرِث الرَّجُل الَّذِي يَعْمَل فِي الْمَال ! فَرَجَوْا أَنْ يَأْتِيَ فِي ذَلِكَ حَدَث مِنْ السَّمَاء , فَانْتَظَرُوا فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُ لَا يَأْتِي حَدَث , قَالُوا : لَئِنْ تَمَّ هَذَا إِنَّهُ لَوَاجِب مَا مِنْهُ بُدّ , ثُمَّ قَالُوا : سَلُوا ! فَسَأَلُوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَنْزَلَ اللَّه : { وَيَسْتَفْتُونَك فِي النِّسَاء قُلْ اللَّه يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَاب } فِي أَوَّل السُّورَة : { فِي يَتَامَى النِّسَاء اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ } قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : وَكَانَ الْوَلِيّ إِذَا كَانَتْ الْمَرْأَة ذَات جَمَال وَمَال رَغِبَ فِيهَا وَنَكَحَهَا وَاسْتَأْثَرَ بِهَا , وَإِذَا لَمْ تَكُنْ ذَات جَمَال وَمَال أَنْكَحَهَا وَلَمْ يَنْكِحهَا . 8316 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد وَابْن وَكِيع , قَالَا : ثنا جَرِير , عَنْ مُغِيرَة , عَنْ إِبْرَاهِيم : { وَيَسْتَفْتُونَك فِي النِّسَاء قُلْ اللَّه يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَاب فِي يَتَامَى النِّسَاء اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ } قَالَ : كَانُوا إِذَا كَانَتْ الْجَارِيَة يَتِيمَة دَمِيمَة لَمْ يُعْطُوهَا مِيرَاثهَا وَحَبَسُوهَا عَنْ التَّزْوِيج حَتَّى تَمُوت , فَيَرِثُوهَا , فَأَنْزَلَ اللَّه هَذَا . * - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا مُغِيرَة , عَنْ إِبْرَاهِيم فِي قَوْله : { وَيَسْتَفْتُونَك فِي النِّسَاء قُلْ اللَّه يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ } قَالَ : كَانَ الرَّجُل مِنْهُمْ تَكُون لَهُ الْيَتِيمَة بِهَا الدَّمَامَة وَالْأَمْر الَّذِي يُرَغِّب عَنْهَا فِيهِ وَلَهَا مَال , قَالَ : فَلَا يَتَزَوَّجهَا وَلَا يُزَوِّجهَا حَتَّى تَمُوت فَيَرِثهَا , قَالَ : فَنَهَاهُمْ اللَّه عَنْ ذَلِكَ . 8317 - حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن وَكِيع , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ أَبِي مَالِك : { وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَاب فِي يَتَامَى النِّسَاء اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ } قَالَ : كَانَتْ الْمَرْأَة إِذَا كَانَتْ عِنْد وَلِيّ يَرْغَب عَنْهَا حَبَسَهَا إِنْ لَمْ يَتَزَوَّجهَا وَلَمْ يَدَع أَحَدًا يَتَزَوَّجهَا. 8318 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { فِي يَتَامَى النِّسَاء اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ } قَالَ : كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة لَا يُوَرِّثُونَ النِّسَاء وَلَا الصِّبْيَان شَيْئًا , كَانُوا يَقُولُونَ : لَا يَغْزُونَ وَلَا يَغْنَمُونَ خَيْرًا , فَفَرَضَ اللَّه لَهُنَّ الْمِيرَاث حَقًّا وَاجِبًا , لِيُتَنَافَس أَوْ لِيُنْفَس الرَّجُل فِي مَال يَتِيمَته إِنْ لَمْ تَكُنْ حَسَنَة . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , بِنَحْوِهِ . 8319 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثنا أَبِي , قَالَ : ثنا عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَيَسْتَفْتُونَك فِي النِّسَاء قُلْ اللَّه يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَاب } يَعْنِي الْفَرَائِض الَّتِي اِفْتَرَضَ فِي أَمْر النِّسَاء اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ , { وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ } قَالَ : كَانَتْ الْيَتِيمَة تَكُون فِي حَجْر الرَّجُل , فَيَرْغَب أَنْ يَنْكِحهَا , أَوْ يُجَامِعهَا وَلَا يُعْطِيهَا مَالهَا , رَجَاء أَنْ تَمُوت فَيَرِثهَا , وَإِنْ مَاتَ لَهَا حَمِيم لَمْ تُعْطَ مِنْ الْمِيرَاث شَيْئًا , وَكَانَ ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّة , فَبَيَّنَ اللَّه لَهُمْ ذَلِكَ . 8320 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَيَسْتَفْتُونَك فِي النِّسَاء قُلْ اللَّه يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ } حَتَّى بَلَغَ : { وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ } فَكَانَ الرَّجُل تَكُون فِي حَجْره الْيَتِيمَة بِهَا دَمَامَة وَلَهَا مَال , فَكَانَ يَرْغَب عَنْهَا أَنْ يَتَزَوَّجهَا وَيَحْبِسهَا لِمَالِهَا , فَأَنْزَلَ اللَّه فِيهِ مَا تَسْمَعُونَ . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { وَيَسْتَفْتُونَك فِي النِّسَاء قُلْ اللَّه يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ } قَالَ : كَانَتْ الْيَتِيمَة تَكُون فِي حَجْر الرَّجُل فِيهَا دَمَامَة , فَيَرْغَب عَنْهَا أَنْ يَنْكِحهَا , وَلَا يُنْكِحهَا رَغْبَة فِي مَالهَا . 8321 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَوْله : { وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَاب فِي يَتَامَى النِّسَاء اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ } . .. إِلَى قَوْله : { بِالْقِسْطِ } قَالَ : كَانَ جَابِر بْن عَبْد اللَّه الْأَنْصَارِيّ ثُمَّ السُّلَمِيّ لَهُ اِبْنَة عَمّ عَمْيَاء , وَكَانَتْ دَمِيمَة , وَكَانَتْ قَدْ وَرِثَتْ عَنْ أَبِيهَا مَالًا , فَكَانَ جَابِر يَرْغَب عَنْ نِكَاحهَا وَلَا يُنْكِحهَا رَهْبَة أَنْ يَذْهَب الزَّوْج بِمَالِهَا , فَسَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ . وَكَانَ نَاس فِي حُجُورهمْ جَوَارٍ أَيْضًا مِثْل ذَلِكَ , فَجَعَلَ جَابِر يَسْأَل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَتَرِثُ الْجَارِيَة إِذَا كَانَتْ قَبِيحَة عَمْيَاء ؟ فَجَعَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول " نَعَمْ " , فَأَنْزَلَ اللَّه فِيهِنَّ هَذَا. وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَيَسْتَفْتُونَك فِي النِّسَاء , قُلْ اللَّه يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ , وَفِيمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَاب فِي آخِر سُورَة النِّسَاء , وَذَلِكَ قَوْله : { يَسْتَفْتُونَك قُلْ اللَّه يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَة } . .. 4 176 إِلَى آخِر السُّورَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8322 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا سَلَّام بْن سُلَيْم , عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر قَالَ : كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة لَا يُوَرِّثُونَ الْوِلْدَان حَتَّى يَحْتَلِمُوا , فَأَنْزَلَ اللَّه : { وَيَسْتَفْتُونَك فِي النِّسَاء } إِلَى قَوْله : { فَإِنَّ اللَّه كَانَ بِهِ عَلِيمًا } قَالَ : وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَد } . .. 4 176 الْآيَة كُلّهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَيَسْتَفْتُونَك فِي النِّسَاء , قُلْ اللَّه يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَفِيمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَاب , يَعْنِي فِي أَوَّل هَذِهِ السُّورَة , وَذَلِكَ قَوْله : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاء } 4 3 . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8323 - حَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي يُونُس اِبْن يَزِيد , عَنْ اِبْن شِهَاب , قَالَ : أَخْبَرَنِي عُرْوَة بْن الزُّبَيْر أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَة زَوْج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَنْ قَوْل اللَّه : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاء } قَالَتْ : يَا اِبْن أُخْتِي هِيَ الْيَتِيمَة تَكُون فِي حَجْر وَلِيّهَا , تُشَارِكهُ فِي مَاله , فَيُعْجِبهُ مَالهَا وَجَمَالهَا , فَيُرِيد وَلِيّهَا أَنْ يَتَزَوَّجهَا بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِط فِي صَدَاقهَا , فَيُعْطِيَهَا مِثْل مَا يُعْطِيهَا غَيْره , فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ وَيَبْلُغُوا بِهِنَّ أَعْلَى سُنَّتهنَّ مِنْ الصَّدَاق , وَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنْ النِّسَاء سِوَاهُنَّ. قَالَ عُرْوَة : قَالَتْ عَائِشَة : ثُمَّ إِنَّ النَّاس اِسْتَفْتَوْا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد هَذِهِ الْآيَة فِيهِنَّ , فَأَنْزَلَ اللَّه : { وَيَسْتَفْتُونَك فِي النِّسَاء قُلْ اللَّه يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَاب فِي يَتَامَى النِّسَاء اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ } قَالَتْ : وَاَلَّذِي ذَكَرَ اللَّه أَنَّهُ يُتْلَى فِي الْكِتَاب الْآيَة الْأُولَى الَّتِي قَالَ فِيهَا : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاء } 4 3 . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني اللَّيْث , قَالَ : ثني يُونُس , عَنْ اِبْن شِهَاب , عَنْ عُرْوَة , عَنْ عَائِشَة , مِثْله . فَعَلَى هَذِهِ الْأَقْوَال الثَّلَاثَة الَّتِي ذَكَرْنَاهَا " مَا " الَّتِي فِي قَوْله : { وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ } فِي مَوْضِع خَفْض بِمَعْنَى الْعَطْف عَلَى الْهَاء وَالنُّون الَّتِي فِي قَوْله : { يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ } فَكَأَنَّهُمْ وَجَّهُوا تَأْوِيل الْآيَة : قُلْ اللَّه يُفْتِيكُمْ أَيّهَا النَّاس فِي النِّسَاء , وَفِيمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَاب. وَقَالَ آخَرُونَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْم مِنْ أَصْحَابه سَأَلُوهُ عَنْ أَشْيَاء مِنْ أَمْر النِّسَاء , وَتَرَكُوا الْمَسْأَلَة عَنْ أَشْيَاء أُخَر كَانُوا يَفْعَلُونَهَا , فَأَفْتَاهُمْ اللَّه فِيمَا سَأَلُوا عَنْهُ وَفِيمَا تَرَكُوا الْمَسْأَلَة عَنْهُ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8324 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى وَسُفْيَان بْن وَكِيع , قَالَ سُفْيَان : ثنا عَبْد الْأَعْلَى , وَقَالَ اِبْن الْمُثَنَّى : ثني عَبْد الْأَعْلَى قَالَ : ثنا دَاوُد , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُوسَى فِي هَذِهِ الْآيَة : { وَيَسْتَفْتُونَك فِي النِّسَاء } قَالَ : اِسْتَفْتَوْا نَبِيّ اللَّه فِي النِّسَاء , وَسَكَتُوا عَنْ شَيْء كَانُوا يَفْعَلُونَهُ , فَأَنْزَلَهُ اللَّه : { وَيَسْتَفْتُونَك فِي النِّسَاء قُلْ اللَّه يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَاب } وَيُفْتِيكُمْ فِيمَا لَمْ تَسْأَلُوا عَنْهُ . قَالَ : كَانُوا لَا يَتَزَوَّجُونَ الْيَتِيمَة إِذَا كَانَ بِهَا دَمَامَة , وَلَا يَدْفَعُونَ إِلَيْهَا مَالهَا فَتُنْفِق , فَنَزَلَتْ : { قُلْ اللَّه يُفْتِيكُمْ فِي النِّسَاء وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَاب فِي يَتَامَى النِّسَاء اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ } قَالَ : وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْوِلْدَان . قَالَ : كَانُوا يُوَرِّثُونَ الْأَكَابِر وَلَا يُوَرِّثُونَ الْأَصَاغِر , ثُمَّ أَفْتَاهُمْ فِيمَا سَكَتُوا عَنْهُ , فَقَالَ : { وَإِنْ اِمْرَأَة خَافَتْ مِنْ بَعْلهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاح عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنهمَا صُلْحًا وَالصُّلْح خَيْر } , وَلَفْظ الْحَدِيث لِابْنِ الْمُثَنَّى . قَالَ أَبُو جَعْفَر : فَعَلَى هَذَا الْقَوْل الَّذِي يُتْلَى عَلَيْنَا فِي الْكِتَاب الَّذِي قَالَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { قُلْ اللَّه يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ } : { وَإِنْ اِمْرَأَة خَافَتْ مِنْ بَعْلهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا } . .. الْآيَة , وَاَلَّذِي سَأَلَ الْقَوْم فَأُجِيبُوا عَنْهُ فِي يَتَامَى النِّسَاء اللَّاتِي كَانُوا لَا يُؤْتُونَهُنَّ مَا كَتَبَ اللَّه لَهُنَّ مِنْ الْمِيرَاث عَمَّنْ وَرِثْنَهُ عَنْهُ . وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال الَّتِي ذَكَرْنَا عَمَّنْ ذَكَرْنَاهَا عَنْهُ بِالصَّوَابِ وَأَشْبَهُهَا بِظَاهِرِ التَّنْزِيل قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَى قَوْله : { وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَاب } : وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ مِنْ آيَات الْفَرَائِض فِي أَوَّل هَذِهِ السُّورَة وَآخِرهَا. وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ , لِأَنَّ الصَّدَاق لَيْسَ مِمَّا كُتِبَ لِلنِّسَاءِ إِلَّا بِالنِّكَاحِ , فَمَا لَمْ تَنْكِح فَلَا صَدَاق لَهَا قِبَل أَحَد , وَإِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهَا قِبَل أَحَد لَمْ يَكُنْ مِمَّا كُتِبَ لَهَا , وَإِذَا لَمْ يَكُنْ كُتِبَ لَهَا , لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِ قَائِل عُنِيَ بِقَوْلِهِ : { وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَاب } : الْإِقْسَاط فِي صَدُقَات يَتَامَى النِّسَاء وَجْه , لِأَنَّ اللَّه قَالَ فِي سِيَاق الْآيَة مُبَيِّنًا عَنْ الْفُتْيَا الَّتِي وَعَدَنَا أَنْ يُفْتِيَنَاهَا فِي يَتَامَى النِّسَاء اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ , فَأَخْبَرَ أَنَّ بَعْض الَّذِي يُفْتِينَا فِيهِ مِنْ أَمْر النِّسَاء أَمْر الْيَتِيمَة الْمَحُول بَيْنهَا وَبَيْن مَا كَتَبَ اللَّه لَهَا , وَالصَّدَاق قَبْل عَقْد النِّكَاح لَيْسَ مِمَّا كَتَبَ اللَّه لَهَا عَلَى أَحَد , فَكَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّ الَّتِي عُنِيَتْ بِهَذِهِ الْآيَة هِيَ الَّتِي قَدْ حِيلَ بَيْنهَا وَبَيْن الَّذِي كُتِبَ لَهَا مِمَّا يُتْلَى عَلَيْنَا فِي كِتَاب اللَّه . فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمِيرَاث الَّذِي يُوجِبهُ اللَّه لَهُنَّ فِي كِتَابه . فَأَمَّا الَّذِي ذُكِرَ عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُوسَى , فَإِنَّهُ مَعَ خُرُوجه مِنْ قَوْل أَهْل التَّأْوِيل , بَعِيد مِمَّا يَدُلّ عَلَيْهِ ظَاهِر التَّنْزِيل , وَذَلِكَ أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ الَّذِي عَنَى اللَّه بِقَوْلِهِ : { وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَاب } هُوَ { وَإِنْ اِمْرَأَة خَافَتْ مِنْ بَعْلهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا } , وَإِذَا وُجِّهَ الْكَلَام إِلَى الْمَعْنَى الَّذِي تَأَوَّلَهُ صَارَ الْكَلَام مُبْتَدَأ مِنْ قَوْله : { فِي يَتَامَى النِّسَاء اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ } تَرْجَمَة بِذَلِكَ عَنْ قَوْله { فِيهِنَّ } وَيَصِير مَعْنَى الْكَلَام : قُلْ اللَّه يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ فِي يَتَامَى النِّسَاء اللَّاتِي وَلَا تُؤْتُونَهُنَّ , وَلَا دَلَالَة فِي الْآيَة عَلَى مَا قَالَهُ , وَلَا أَثَر عَمَّنْ يُعْلَم بِقَوْلِهِ صِحَّة ذَلِكَ . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , كَانَ وَصْل مَعَانِي الْكَلَام بَعْضه بِبَعْضٍ أَوْلَى مَا وُجِدَ إِلَيْهِ سَبِيل . فَإِذَا كَانَ الْأَمْر عَلَى مَا وَصَفْنَا , فَقَوْله : { فِي يَتَامَى النِّسَاء } بِأَنْ يَكُون صِلَة لِقَوْلِهِ : { وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ } أَوْلَى مِنْ أَنْ يَكُون تَرْجَمَة عَنْ قَوْله : { قُلْ اللَّه يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ } لِقُرْبِهِ مِنْ قَوْله : { وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَاب } , وَانْقِطَاعه عَنْ قَوْله : { يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ } . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَتَأْوِيل الْآيَة : وَيَسْتَفْتُونَك فِي النِّسَاء , قُلْ اللَّه يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ , وَفِيمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي كِتَاب اللَّه الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى نَبِيّه فِي أَمْر يَتَامَى النِّسَاء اللَّاتِي لَا تُعْطُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ , يَعْنِي : مَا فَرَضَ اللَّه لَهُنَّ مِنْ الْمِيرَاث عَمَّنْ وَرِثْنَهُ . كَمَا : 8325 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد : { لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ } قَالَ : لَا تُوَرِّثُونَهُنَّ . 8326 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن عَوْن , قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْم , عَنْ مُغِيرَة , عَنْ إِبْرَاهِيم , قَوْله : { لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ } قَالَ : مِنْ الْمِيرَاث , قَالَ : كَانُوا لَا يُوَرِّثُونَ النِّسَاء , " وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ ". وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى قَوْله : { وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَتَرْغَبُونَ عَنْ نِكَاحهنَّ . وَقَدْ مَضَى ذِكْر جَمَاعَة مِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ , وَسَنَذْكُرُ قَوْل آخَرِينَ لَمْ نَذْكُرهُمْ . 8327 - حَدَّثَنَا حُمَيْد بْن مَسْعَدَة السَّامِيّ , قَالَ : ثنا بِشْر بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا عُبَيْد اللَّه بْن عَوْن , عَنْ الْحَسَن : { وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ } قَالَ : تَرْغَبُونَ عَنْهُنَّ . * - حَدَّثَنَا يَعْقُوب وَابْن وَكِيع , قَالَا : ثنا اِبْن عُلَيَّة , عَنْ اِبْن عَوْن , عَنْ الْحَسَن , مِثْله . 8328 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي يُونُس بْن يَزِيد , عَنْ اِبْن شِهَاب , عَنْ عُرْوَة , قَالَ : قَالَتْ عَائِشَة فِي قَوْله اللَّه : { وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ } : رَغْبَة أَحَدكُمْ عَنْ يَتِيمَته الَّتِي تَكُون فِي حَجْره حِين تَكُون قَلِيلَة الْمَال وَالْجَمَال , فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَنْ رَغِبُوا فِي مَالهَا وَجَمَالهَا مِنْ يَتَامَى النِّسَاء إِلَّا بِالْقِسْطِ مِنْ أَجْل رَغْبَتهمْ عَنْهُنَّ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , يَعْنِي اِبْن صَالِح ,. قَالَ : ثني اللَّيْث , قَالَ : ثني يُونُس , عَنْ اِبْن شِهَاب , قَالَ : قَالَ عُرْوَة , قَالَتْ عَائِشَة , فَذَكَرَ مِثْله. وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَتَرْغَبُونَ فِي نِكَاحهنَّ . وَقَدْ مَضَى ذِكْر جَمَاعَة مِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ قَبْل , وَنَحْنُ ذَاكِرُو قَوْل مَنْ لَمْ نَذْكُر مِنْهُمْ . 8329 - حَدَّثَنَا حُمَيْد بْن مَسْعَدَة , قَالَ : ثنا بِشْر بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا اِبْن عَوْن عَنْ مُحَمَّد , عَنْ عُبَيْدَة : { وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ } قَالَ : وَتَرْغَبُونَ فِيهِنَّ . * - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم وَابْن وَكِيع , قَالَا : ثنا اِبْن عُلَيَّة , عَنْ اِبْن عَوْن , عَنْ مُحَمَّد , قَالَ : قُلْت لِعُبَيْدَة : { وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ } قَالَ : تَرْغَبُونَ فِيهِنَّ . 8330 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله : { فِي يَتَامَى النِّسَاء اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ } فَكَانَ الرَّجُل فِي الْجَاهِلِيَّة تَكُون عِنْده الْيَتِيمَة فَيُلْقِي عَلَيْهَا ثَوْبه , فَإِذَا فَعَلَ بِهَا ذَلِكَ لَمْ يَقْدِر أَحَد أَنْ يَتَزَوَّجهَا أَبَدًا , فَإِنْ كَانَتْ جَمِيلَة وَهَوِيَهَا تَزَوَّجَهَا وَأَكَلَ مَالهَا , وَإِنْ كَانَتْ دَمِيمَة مَنَعَهَا الرَّجُل أَبَدًا حَتَّى تَمُوت فَإِذَا مَاتَتْ وَرِثَهَا , فَحَرَّمَ اللَّه ذَلِكَ وَنَهَى عَنْهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِتَأْوِيلِ الْآيَة قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَتَرْغَبُونَ عَنْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ , لِأَنَّ حَبْسهمْ أَمْوَالهنَّ عَنْهُنَّ , مَعَ عَضْلهمْ إِيَّاهُنَّ إِنَّمَا كَانَ لِيَرِثُوا أَمْوَالهنَّ دُون زَوْج إِنْ تَزَوَّجْنَ . وَلَوْ كَانَ الَّذِينَ حَبَسُوا عَنْهُنَّ أَمْوَالهنَّ إِنَّمَا حَبَسُوهَا عَنْهُنَّ رَغْبَة فِي نِكَاحهنَّ , لَمْ يَكُنْ لِلْحَبْسِ عَنْهُنَّ وَجْه مَعْرُوف , لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَوْلِيَاءَهُنَّ , وَلَمْ يَكُنْ يَمْنَعهُمْ مِنْ نِكَاحهنَّ مَانِع فَيَكُون بِهِ حَاجَة إِلَى حَبْس مَالهَا عَنْهَا لِيَتَّخِذ حَبْسهَا عَنْهَا سَبَبًا إِلَى إِنْكَاحهَا نَفْسهَا مِنْهُ .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله : { وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْوِلْدَان وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ } . يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَيَسْتَفْتُونَك فِي النِّسَاء , قُلْ اللَّه يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَفِيمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَاب , وَفِي الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْوِلْدَانِ , وَفِي أَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ . وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَة بِذَلِكَ عَمَّنْ قَالَهُ مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فِيمَا مَضَى , وَاَلَّذِي أَفْتَاهُمْ فِي أَمْر الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْوِلْدَانِ أَنْ يُؤْتُوهُمْ حُقُوقهمْ مِنْ الْمِيرَاث لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُوَرِّثُونَ الصِّغَار مِنْ أَوْلَاد الْمَيِّت , وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُقْسِطُوا فِيهِمْ فَيَعْدِلُوا وَيُعْطُوهُمْ فَرَائِضهمْ عَلَى مَا قَسَمَ اللَّه لَهُمْ فِي كِتَابه . كَمَا : 8331 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَوْله : { وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْوِلْدَان } كَانُوا لَا يُوَرِّثُونَ جَارِيَة وَلَا غُلَامًا صَغِيرًا , فَأَمَرَهُمْ اللَّه أَنْ يَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ. وَالْقِسْط : أَنْ يُعْطَى كُلّ ذِي حَقّ مِنْهُمْ حَقّه , ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى , الصَّغِير مِنْهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْكَبِير . 8332 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { وَيَسْتَفْتُونَك فِي النِّسَاء قُلْ اللَّه يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَاب فِي يَتَامَى النِّسَاء اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ } قَالَ : لَا تُوَرِّثُونَهُنَّ مَالًا , { وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ } قَالَ : فَدَخَلَ النِّسَاء وَالصَّغِير وَالْكَبِير فِي الْمَوَارِيث , وَنَسَخَتْ الْمَوَارِيث ذَلِكَ الْأَوَّل. 8333 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ } أُمِرُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ : بِالْعَدْلِ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 8334 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا عُبَيْد اللَّه , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ أَبِي مَالِك : { وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْوِلْدَان وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ } قَالَ : كَانُوا لَا يُوَرِّثُونَ إِلَّا الْأَكْبَر فَالْأَكْبَر. 8335 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْوِلْدَان } فَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة لَا يُوَرِّثُونَ الصِّغَار وَلَا الْبَنَات , فَذَلِكَ قَوْله : { لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ } فَنَهَى اللَّه عَنْ ذَلِكَ , وَبَيَّنَ لِكُلِّ ذِي سَهْم سَهْمه , فَقَالَ : { لِلذَّكَرِ مِثْل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ } صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : { وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْوِلْدَان وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ } وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُوَرِّثُونَ الصَّغِير وَالضَّعِيف شَيْئًا , فَأَمَرَ اللَّه أَنْ يُعْطِيه نَصِيبه مِنْ الْمِيرَاث . 8336 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا مُغِيرَة عَنْ إِبْرَاهِيم : أَنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب كَانَ إِذَا جَاءَهُ وَلِيّ الْيَتِيمَة فَإِنْ كَانَتْ حَسَنَة غَنِيَّة قَالَ لَهُ عُمَر : زَوِّجْهَا غَيْرك , وَالْتَمِسْ لَهَا مَنْ هُوَ خَيْر مِنْك ! وَإِذَا كَانَتْ بِهَا دَمَامَة وَلَا مَال لَهَا , قَالَ : تَزَوَّجْهَا فَأَنْتَ أَحَقّ بِهَا ! . 8337 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا يُونُس بْن عُبَيْد , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : جَاءَ رَجُل إِلَى عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب , فَقَالَ : يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ مَا أَمْرِي , وَمَا أَمْر يَتِيمَتِي ؟ قَالَ : فِي أَيّ بَالكُمَا ؟ قَالَ : ثُمَّ قَالَ عَلِيّ : أَمُتَزَوِّجهَا أَنْتَ غَنِيَّة جَمِيلَة ؟ قَالَ : نَعَمْ وَالْإِلَه ! قَالَ : فَتَزَوَّجْهَا دَمِيمَة لَا مَال لَهَا ! ثُمَّ قَالَ عَلِيّ : تَزَوَّجْهَا إِنْ كُنْت خَيْرًا لَهَا , فَإِنْ كَانَ غَيْرك خَيْرًا لَهَا فَأَلْحِقْهَا بِالْخَيْرِ. قَالَ أَبُو جَعْفَر : فَقِيَامهمْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ كَانَ الْعَدْل فِيمَا أَمَرَ اللَّه فِيهِمْ .

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله : { وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْر فَإِنَّ اللَّه كَانَ بِهِ عَلِيمًا } . يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَمَهْمَا يَكُنْ مِنْكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنْ عَدْل فِي أَمْوَال الْيَتَامَى الَّتِي أَمَرَكُمْ اللَّه أَنْ تَقُومُوا فِيهِمْ بِالْقِسْطِ , وَالِانْتِهَاء إِلَى أَمْر اللَّه فِي ذَلِكَ , وَفِي غَيْره , وَإِلَى طَاعَته , فَإِنَّ اللَّه كَانَ بِهِ عَلِيمًا لَمْ يَزَلْ عَالِمًا بِمَا هُوَ كَائِن مِنْكُمْ , وَهُوَ مُحْصٍ ذَلِكَ كُلّه عَلَيْكُمْ , حَافِظ لَهُ , حَتَّى يُجَازِيَكُمْ بِهِ جَزَاءَكُمْ يَوْم الْقِيَامَة.
الاستفتاء: طلب السائل من المسئول, بيان الحكم الشرعي في ذلك المسئول عنه.
فأخبر عن المؤمنين, أنهم يستفتون الرسول صلى الله عليه وسلم في حكم النساء المتعلق بهم فتولى الله هذه الفتوى بنفسه فقال: " قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ " فاعملوا على ما أفتاكم به, في جميع شئون النساء, من القيام بحقوقهن, وترك ظلمهن, عموما وخصوصا.
وهذا أمر عام, يشمل جميع ما شرع الله, أمرا, ونهيا, في حق النساء, الزوجات وغيرهن, الصغار والكبار.
ثم خص - بعد التعميم - الوصية بالضعاف, من اليتامى, والولدان, اهتماما بهم, وزجرا عن التفريط في حقوقهم فقال: " وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ " أي: ويفتيكم أيضا, بما يتلى عليكم في الكتاب, في شأن اليتامى من النساء.
" اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ " .
وهذا إخبار عن الحالة الموجودة الواقعة في ذلك الوقت.
فإن اليتيمة, إذا كانت تحت ولاية الرجل, بخسها حقها, وظلمها, إما بأكل مالها الذي لها, أو بعضه, أو منعها من التزوج, لينتفع بمالها, خوفا من استخراجه من يده, إنْ زوَّجها, أو يأخذ من صهرها, الذي تتزوج به, بشرط أو غيره, هذا إذا كان راغبا عنها.
أو يرغب فيها وهي ذات جمال ومال, ولا يقسط في مهرها, بل يعطيها دون ما تستحق.
فكل هذا ظلم يدخل تحت هذا النص, ولهذا قال: " وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ " أي: ترغبون عن نكاحهن, أو في نكاحهن كما ذكرنا تمثيله.
" وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ " أي: ويفتيكم في المستضعفين من الولدان الصغار, أن تعطوهم حقهم, من الميراث, وغيره, وأن لا تستولوا على أموالهم, على وجه الظلم والاستبداد.
" وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ " أي: بالعدل التام.
وهذا يشمل القيام عليهم, بإلزامهم أمر الله, وما أوجبه على عباده, فيكون الأولياء, مكلفين بذلك, يلزمونهم بما أوجبه الله.
ويشمل القيام عليهم, في مصالحهم الدنيوية, بتنمية أموالهم, وطلب الأحظ لهم فيها, وأن لا يقربوها إلا بالتي هي أحسن.
وكذلك لا يحابون فيهم, صديقا ولا غيره, في تزوج وغيره, على وجه الهضم لحقوقهم وهذا من رحمته تعالى بعباده, حيث حثّ غاية الحث, على القيام بمصالح من لا يقوم بمصلحة نفسه, لضعفه, وفقد أبيه.
ثم حثّ على الإحسان عموما, فقال: " وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ " لليتامى ولغيرهم, سواء كان الخير متعديا, أو لازما.
" فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا " أي: قد أحاط علمه بعمل العاملين للخير, قلة وكثرة, حسنا وضده, فيجازي كُلًّا بحسب عمله.
يطلب الناس منك -أيها النبي- أن تبين لهم ما أشكل عليهم فَهْمُه من قضايا النساء وأحكامهن، قل الله تعالى يبيِّن لكم أمورهن، وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تعطونهن ما فرض الله تعالى لهن من المهر والميراث وغير ذلك من الحقوق، وتحبون نكاحهن أو ترغبون عن نكاحهن، ويبيِّن الله لكم أمر الضعفاء من الصغار، ووجوب القيام لليتامى بالعدل وترك الجور عليهم في حقوقهم. وما تفعلوا من خير فإن الله تعالى كان به عليمًا، لا يخفى عليه شيء منه ولا من غيره.
"وَيَسْتَفْتُونَك" يَطْلُبُونَ مِنْك الْفَتْوَى "فِي" شَأْن "النِّسَاء" وَمِيرَاثهنَّ "قُلْ" لَهُمْ "اللَّه يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَاب" الْقُرْآن مِنْ آيَة الْمِيرَاث وَيُفْتِيكُمْ أَيْضًا "فِي يَتَامَى النِّسَاء اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ" فُرِضَ "لَهُنَّ" مِنْ الْمِيرَاث "وَتَرْغَبُونَ" أَيّهَا الْأَوْلِيَاء عَنْ "أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ" لِدَمَامَتِهِنَّ وَتَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَتَزَوَّجْنَ طَمَعًا فِي مِيرَاثهنَّ أَيْ يُفْتِيكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا ذَلِكَ "و" فِي "الْمُسْتَضْعَفِينَ" الصِّغَار "مِنْ الْوِلْدَان" أَنْ تُعْطُوهُمْ حُقُوقهمْ "وَأَنْ" يَأْمُركُمْ "تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ" بِالْعَدْلِ فِي الْمِيرَاث وَالْمَهْر "وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْر فَإِنَّ اللَّه كَانَ بِهِ عَلِيمًا" فَيُجَازِيكُمْ بِهِ
قَالَ الْبُخَارِيّ : حَدَّثَنَا عُبَيْد بْن إِسْمَاعِيل حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَة قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا " وَيَسْتَفْتُونَك فِي النِّسَاء قُلْ اللَّه يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ - إِلَى قَوْله - وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ " قَالَتْ عَائِشَة : هُوَ الرَّجُل تَكُون عِنْده الْيَتِيمَة هُوَ وَلِيّهَا وَوَارِثهَا فَأَشْرَكَتْهُ فِي مَاله حَتَّى فِي الْعِذْق فَيَرْغَب أَنْ يَنْكِحهَا وَيَكْرَه أَنْ يُزَوِّجهَا رَجُلًا فَيُشْرِكهُ فِي مَاله بِمَا شَرِكَته فَيَعْضُلهَا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُسْلِم عَنْ أَبِي كُرَيْب بْن أَبِي شَيْبَة كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي أُسَامَة وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : قَرَأْت عَلَى مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْحَكَم أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب أَخْبَرَنِي يُونُس عَنْ اِبْن شِهَاب أَخْبَرَنِي عُرْوَة بْن الزُّبَيْر قَالَتْ عَائِشَة : ثُمَّ إِنَّ النَّاس اِسْتَفْتَوْا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد هَذِهِ الْآيَة فِيهِنَّ فَأَنْزَلَ اللَّه وَيَسْتَفْتُونَك فِي النِّسَاء قُلْ اللَّه يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَاب الْآيَة قَالَتْ : وَاَلَّذِي ذَكَرَ اللَّه أَنَّهُ يُتْلَى عَلَيْهِ فِي الْكِتَاب. الْآيَة الْأُولَى الَّتِي قَالَ اللَّه وَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاء وَبِهَذَا الْإِسْنَاد عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : وَقَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ رَغْبَة أَحَدكُمْ عَنْ يَتِيمَته الَّتِي تَكُون فِي حِجْره حَتَّى تَكُون قَلِيلَة الْمَال وَالْجَمَال فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَنْ رَغِبُوا فِي مَالهَا وَجَمَالهَا مِنْ يَتَامَى النِّسَاء إِلَّا بِالْقِسْطِ مِنْ أَجْل رَغْبَتهمْ عَنْهُنَّ وَأَصْله ثَابِت فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيق يُونُس بْن يَزِيد الْأُبُلِّيّ بِهِ وَالْمَقْصُود أَنَّ الرَّجُل إِذَا كَانَ فِي حِجْره يَتِيمَة يَحِلّ لَهُ تَزْوِيجهَا فَتَارَة يَرْغَب فِي أَنْ يَتَزَوَّجهَا فَأَمَرَهُ اللَّه أَنْ يُمْهِرهَا أُسْوَة أَمْثَالهَا مِنْ النِّسَاء فَإِنْ لَمْ يَفْعَل فَلْيَعْدِلْ إِلَى غَيْرهَا مِنْ النِّسَاء فَقَدْ وَسَّعَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَهَذَا الْمَعْنَى فِي الْآيَة الْأُولَى الَّتِي فِي أَوَّل السُّورَة وَتَارَة لَا يَكُون فِيهَا رَغْبَة لِدَمَامَتِهَا عِنْده أَوْ فِي نَفْس الْأَمْر فَنَهَاهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَعْضُلهَا عَنْ الْأَزْوَاج خَشْيَة أَنْ يُشْرِكُوهُ فِي مَاله الَّذِي بَيْنه وَبَيْنهَا كَمَا قَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي الْآيَة وَهِيَ قَوْله فِي يَتَامَى النِّسَاء الْآيَة كَانَ الرَّجُل فِي الْجَاهِلِيَّة تَكُون عِنْده الْيَتِيمَة فَيُلْقِي عَلَيْهَا ثَوْبه فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَلَمْ يَقْدِر أَحَد أَنْ يَتَزَوَّجهَا أَبَدًا فَإِنْ كَانَتْ جَمِيلَة وَهَوِيَهَا تَزَوَّجَهَا وَأَكَلَ مَالهَا وَإِنْ كَانَتْ دَمِيمَة مَنَعَهَا الرِّجَال أَبَدًا حَتَّى تَمُوت فَإِذَا مَاتَتْ وَرِثَهَا . فَحَرَّمَ اللَّه ذَلِكَ وَنَهَى عَنْهُ وَقَالَ فِي قَوْله " وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْوِلْدَان كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة لَا يُوَرِّثُونَ الصِّغَار وَلَا الْبَنَات وَذَلِكَ قَوْله لَا تُؤْتُوهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ فَنَهَى اللَّه عَنْ ذَلِكَ وَبَيَّنَ لِكُلِّ ذِي سَهْم سَهْمه فَقَالَ لِلذَّكَرِ مِثْل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا وَكَذَا قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر وَغَيْره . قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر فِي قَوْله وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ كَمَا إِذَا كَانَتْ ذَات جَمَال وَمَال نَكَحْتهَا وَاسْتَأْثَرْت بِهَا كَذَلِكَ إِذَا لَمْ تَكُنْ ذَات مَال وَلَا جَمَال فَأَنْكِحهَا وَاسْتَأْثِرْ بِهَا وَقَوْله وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْر فَإِنَّ اللَّه كَانَ بِهِ عَلِيمًا تَهَيُّجًا عَلَى فِعْل الْخَيْرَات وَامْتِثَالًا لِلْأَوَامِرِ وَأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَالِم بِجَمِيعِ ذَلِكَ وَسَيَجْزِي عَلَيْهِ أَوْفَر الْجَزَاء وَأَتَمَّهُ .
نَزَلَتْ بِسَبَبِ سُؤَال قَوْم مِنْ الصَّحَابَة عَنْ أَمْر النِّسَاء وَأَحْكَامِهِنَّ فِي الْمِيرَاث وَغَيْر ذَلِكَ ; فَأَمَرَ اللَّه نَبِيّه عَلَيْهِ السَّلَام أَنْ يَقُول لَهُمْ : اللَّه يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ; أَيْ يُبَيِّنُ لَكُمْ حُكْم مَا سَأَلْتُمْ عَنْهُ . وَهَذِهِ الْآيَة رُجُوع إِلَى مَا اُفْتُتِحَتْ بِهِ السُّورَة مِنْ أَمْر النِّسَاء , وَكَانَ قَدْ بَقِيَتْ لَهُمْ أَحْكَام لَمْ يَعْرِفُوهَا فَسَأَلُوا فَقِيلَ لَهُمْ : إِنَّ اللَّه يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ . رَوَى أَشْهَب عَنْ مَالِك قَالَ : كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْأَل فَلَا يُجِيب حَتَّى يَنْزِل عَلَيْهِ الْوَحْي , وَذَلِكَ فِي كِتَاب اللَّه " وَيَسْتَفْتُونَك فِي النِّسَاء قُلْ اللَّه يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ " . " وَيَسْأَلُونَك عَنْ الْيَتَامَى " [ الْبَقَرَة : 220 ] . و " يَسْأَلُونَك عَنْ الْخَمْر وَالْمَيْسِر " [ الْبَقَرَة : 219 ] . " وَيَسْأَلُونَك عَنْ الْجِبَال " [ طَه : 105 ] .

قَوْله تَعَالَى : " وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ " " مَا " فِي مَوْضِع رَفْع , عَطْف عَلَى اِسْم اللَّه تَعَالَى . وَالْمَعْنَى : وَالْقُرْآن يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ , وَهُوَ قَوْل : " فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاء " [ النِّسَاء : 3 ] وَقَدْ تَقَدَّمَ .

وَقَوْله تَعَالَى : " وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ " أَيْ وَتَرْغَبُونَ عَنْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ , ثُمَّ حُذِفَتْ " عَنْ " . وَقِيلَ : وَتَرْغَبُونَ فِي أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ ثُمَّ حُذِفَتْ " فِي " . قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر وَمُجَاهِد : وَيُرْغَب فِي نِكَاحهَا وَإِذَا كَانَتْ كَثِيرَة الْمَال . وَحَدِيث عَائِشَة يُقَوِّي حَذْف " عَنْ " فَإِنَّ فِي حَدِيثهَا : وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ رَغْبَة أَحَدكُمْ عَنْ يَتِيمَتِهِ الَّتِي تَكُون فِي حِجْرِهِ حِينَ تَكُون قَلِيلَة الْمَال وَالْجَمَال ; وَقَدْ تَقَدَّمَ أَوَّل السُّورَة .
مشاركة الموضوع