تفسير الطبري

سورة فاطر الآية ٣٩

هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَٰٓئِفَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُۥ ۖ وَلَا يَزِيدُ ٱلْكَٰفِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًۭا ۖ وَلَا يَزِيدُ ٱلْكَٰفِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًۭا ﴿٣٩﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْض } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : اللَّه الَّذِي جَعَلَكُمْ أَيّهَا النَّاس خَلَائِفَ فِي الْأَرْض مِنْ بَعْد عَاد وَثَمُود , وَمَنْ مَضَى مِنْ قَبْلكُمْ مِنَ الْأُمَم فَجَعَلَكُمْ تَخْلُفُونَهُمْ فِي دِيَارهمْ وَمَسَاكِنهمْ , كَمَا : 22209 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْض } أُمَّة بَعْدَ أُمَّة , وَقَرْنًا بَعْدَ قَرْن

وَقَوْله: { فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْره } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَمَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْكُمْ أَيّهَا النَّاس , فَعَلَى نَفْسه ضُرّ كُفْره , لَا يَضُرّ بِذَلِكَ غَيْرَ نَفْسه , لِأَنَّهُ الْمُعَاقَب عَلَيْهِ دُونَ غَيْره .

وَقَوْله : { وَلَا يَزِيد الْكَافِرِينَ كُفْرهمْ عِنْدَ رَبّهمْ إِلَّا مَقْتًا } يَقُول تَعَالَى : وَلَا يَزِيد الْكَافِرِينَ كُفْرهمْ عِنْدَ رَبّهمْ إِلَّا بُعْدًا مِنْ رَحْمَة اللَّه

{ وَلَا يَزِيد الْكَافِرِينَ كُفْرهمْ إِلَّا خَسَارًا } يَقُول : وَلَا يَزِيد الْكَافِرِينَ كُفْرهمْ بِاللَّهِ إِلَّا هَلَاكًا.
الله هو الذي جعلكم -أيها الناس- يخلف بعضكم بعضا في الأرض, فمن جحد الله منكم فعلى نفسه ضرره وكفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا بغضا وغضبا, ولا يزيدهم كفرهم بالله إلا ضلالا وهلاكا.
الله هو الذي جعلكم -أيها الناس- يَخْلُف بعضكم بعضًا في الأرض، فمن جحد وحدانية الله منكم فعلى نفسه ضرره وكفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا بغضًا وغضبًا، ولا يزيدهم كفرهم بالله إلا ضلالا وهلاكًا.
"هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِف فِي الْأَرْض" . جَمْع خَلِيفَة أَيْ يَخْلُف بَعْضكُمْ بَعْضًا "فَمَنْ كَفَرَ" مِنْكُمْ "فَعَلَيْهِ كُفْره" أَيْ وَبَال كُفْره "وَلَا يَزِيد الْكَافِرِينَ كُفْرهمْ عِنْد رَبّهمْ إلَّا مَقْتًا" غَضَبًا "وَلَا يَزِيد الْكَافِرِينَ كُفْرهمْ إلَّا خَسَارًا" لِلْآخِرَةِ
ثُمَّ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ " هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِف فِي الْأَرْض " أَيْ يَخْلُف قَوْم لِآخَرِينَ قَبْلهمْ وَجِيل لِجِيلٍ قَبْلهمْ . كَمَا قَالَ تَعَالَى : " وَيَجْعَلكُمْ خُلَفَاء الْأَرْض " " فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْره " أَيْ فَإِنَّمَا يَعُود وَبَال ذَلِكَ عَلَى نَفْسه دُون غَيْره " وَلَا يَزِيد الْكَافِرِينَ كُفْرهمْ عِنْد رَبّهمْ إِلَّا مَقْتًا " أَيْ كُلَّمَا اِسْتَمَرُّوا عَلَى كُفْرهمْ أَبْغَضهمْ اللَّه تَعَالَى وَكُلَّمَا اِسْتَمَرُّوا فِيهِ خَسِرُوا أَنْفُسهمْ وَأَهْلَيْهِمْ يَوْم الْقِيَامَة بِخِلَافِ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهُمْ كُلَّمَا طَالَ عُمُر أَحَدهمْ وَحَسُنَ عَمَله اِرْتَفَعَتْ دَرَجَته وَمَنْزِلَته فِي الْجَنَّة وَزَادَ أَجْره وَأَحَبَّهُ خَالِقه وَبَارِئُهُ رَبّ الْعَالَمِينَ .
قَالَ قَتَادَة : خَلَفًا بَعْد خَلَف , قَرْنًا بَعْد قَرْن . وَالْخَلَف هُوَ التَّالِي لِلْمُتَقَدِّمِ , وَلِذَلِكَ قِيلَ لِأَبِي بَكْر : يَا خَلِيفَة اللَّه ; فَقَالَ : لَسْت بِخَلِيفَةِ اللَّه , وَلَكِنِّي خَلِيفَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَنَا رَاضٍ بِذَلِكَ .

أَيْ جَزَاء كُفْره وَهُوَ الْعِقَاب وَالْعَذَاب .

أَيْ بُغْضًا وَغَضَبًا .

أَيْ هَلَاكًا وَضَلَالًا .
مشاركة الموضوع