تفسير الطبري

سورة السجدة الآية ٣٠

فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَٱنتَظِرْ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ ﴿٣٠﴾
وَقَوْله { فَأَعْرِض عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ } يَقُول لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَأَعْرِضْ يَا مُحَمَّد عَنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ , الْقَائِلِينَ لَك : مَتَى هَذَا الْفَتْح , الْمُسْتَعْجِلِيكَ بِالْعَذَابِ , وَانْتَظِرْ مَا اللَّه صَانِع بِهِمْ , إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ مَا تَعِدهُمْ مِنَ الْعَذَاب وَمَجِيء السَّاعَة. كَمَا : 21574 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ } يَعْنِي يَوْم الْقِيَامَة . آخِر تَفْسِير سُورَة السَّجْدَة , وَلِلَّهِ الْحَمْد وَالْمِنَّة .
فأعرض -يا محمد- عن هؤلاء المشركين, ولا تبال بتكذيبهم, وانتظر ما الله صانع بهم, إنهم منتظرون ومتربصون بكم دوائر السوء.
فأعرض -أيها الرسول- عن هؤلاء المشركين، ولا تبال بتكذيبهم، وانتظر ما الله صانع بهم، إنهم منتظرون ومتربصون بكم دوائر السوء، فسيخزيهم الله ويذلهم، وينصرك عليهم. وقد فعل فله الحمد والمنة.
"فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ" إنْزَال الْعَذَاب بِهِمْ "إنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ" بِك حَادِث مَوْت أَوْ قَتْل فَيَسْتَرِيحُونَ مِنْك وَهَذَا قَبْل الْأَمْر بِقِتَالِهِمْ
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى " فَأَعْرِض عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ" أَيْ أَعْرِضْ عَنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ وَبَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْك مِنْ رَبّك كَقَوْلِهِ تَعَالَى " اِتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْك مِنْ رَبّك لَا إِلَه إِلَّا هُوَ " الْآيَة وَانْتَظِرْ فَإِنَّ اللَّه سَيُنْجِزُ لَك مَا وَعَدَك وَسَيَنْصُرُك عَلَى مَنْ خَالَفَك إِنَّهُ لَا يُخْلِف الْمِيعَاد وَقَوْله " إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ " أَيْ أَنْتَ مُنْتَظِر وَهُمْ مُنْتَظِرُونَ وَيَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ الدَّوَائِر" أَمْ يَقُولُونَ شَاعِر نَتَرَبَّص بِهِ رَيْب الْمَنُون " وَسَتَرَى أَنْتَ عَاقِبَة صَبْرك عَلَيْهِمْ وَعَلَى أَدَاء رِسَالَة اللَّه فِي نُصْرَتك وَتَأْيِيدك وَسَيَجِدُونَ غَيْب مَا يَنْتَظِرُونَهُ فِيك وَفِي أَصْحَابك مِنْ وَبِيل عِقَاب اللَّه لَهُمْ وَحُلُول عَذَابه بِهِمْ وَحَسْبنَا اللَّه وَنِعْمَ الْوَكِيل . آخِر تَفْسِير سُورَة السَّجْدَة وَلِلَّهِ الْحَمْد وَالْمِنَّة .
مَعْنَاهُ فَأَعْرِضْ عَنْ سَفَههمْ وَلَا تُجِبْهُمْ إِلَّا بِمَا أُمِرْت بِهِ . " وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ " أَيْ اِنْتَظِرْ يَوْم الْفَتْح , يَوْم يَحْكُم اللَّه لَك عَلَيْهِمْ . اِبْن عَبَّاس : " فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ " أَيْ عَنْ مُشْرِكِي قُرَيْش مَكَّة , وَأَنَّ هَذَا مَنْسُوخ بِالسَّيْفِ فِي " بَرَاءَة " فِي قَوْله : " فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ " [ التَّوْبَة : 5 ] . " وَانْتَظِرْ " أَيْ مَوْعِدِي لَك . قِيلَ : يَعْنِي يَوْم بَدْر . " إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ " أَيْ يَنْتَظِرُونَ بِكُمْ حَوَادِث الزَّمَان . وَقِيلَ : الْآيَة غَيْر مَنْسُوخَة ; إِذْ قَدْ يَقَع الْإِعْرَاض مَعَ الْأَمْر بِالْقِتَالِ كَالْهُدْنَةِ وَغَيْرهَا . وَقِيلَ : أَعْرِضْ عَنْهُمْ بَعْدَمَا بَلَّغْت الْحُجَّة , وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ . إِنْ قِيلَ : كَيْف يَنْتَظِرُونَ الْقِيَامَة وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ؟ فَفِي هَذَا جَوَابَانِ : أَحَدهمَا : أَنْ يَكُون الْمَعْنَى أَنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ الْمَوْت وَهُوَ مِنْ أَسْبَاب الْقِيَامَة ; فَيَكُون هَذَا مَجَازًا . وَالْآخَر : أَنَّ فِيهِمْ مَنْ يَشُكّ وَفِيهِمْ مَنْ يُؤْمِن بِالْقِيَامَةِ ; فَيَكُون هَذَا جَوَابًا لِهَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ . وَاَللَّه أَعْلَمُ . وَقَرَأَ اِبْن السَّمَيْقَع : " إِنَّهُمْ مُنْتَظَرُونَ " بِفَتْحِ الظَّاء . وَرُوِيَتْ عَنْ مُجَاهِد وَابْن مُحَيْصِن . قَالَ الْفَرَّاء : لَا يَصِحّ هَذَا إِلَّا بِإِضْمَارٍ , مَجَازه : أَنَّهُمْ مُنْتَظَرُونَ بِهِمْ . قَالَ أَبُو حَاتِم : الصَّحِيح الْكَسْر ; أَيْ اِنْتَظِرْ عَذَابهمْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ هَلَاكك . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ قِرَاءَة اِبْن السَّمَيْقَع ( بِفَتْحِ الظَّاء ) مَعْنَاهَا : وَانْتَظِرْ هَلَاكهمْ فَإِنَّهُمْ أَحِقَّاء بِأَنْ يُنْتَظَر هَلَاكُهُمْ ; يَعْنِي أَنَّهُمْ هَالِكُونَ لَا مَحَالَة , وَانْتَظِرْ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمَلَائِكَة فِي السَّمَاء يَنْتَظِرُونَهُ ; ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيّ . وَهُوَ مَعْنَى قَوْل الْفَرَّاء . وَاَللَّه أَعْلَمُ .
مشاركة الموضوع