تفسير الطبري

سورة السجدة الآية ٢٦

أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ ٱلْقُرُونِ يَمْشُونَ فِى مَسَٰكِنِهِمْ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍ ۖ أَفَلَا يَسْمَعُونَ ﴿٢٦﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلهمْ مِنَ الْقُرُون يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنهمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَوَلَمْ يُبَيِّن لَهُمْ ؟ كَمَا : 21563 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنِ ابْن عَبَّاس { أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ } يَقُول : أَوَلَمْ يُبَيِّن لَهُمْ . وَعَلَى الْقِرَاءَة بِالْيَاءِ فِي ذَلِكَ قُرَّاء الْأَمْصَار , وَكَذَلِكَ الْقِرَاءَة عِنْدَنَا لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنَ الْقُرَّاء , بِمَعْنَى : أَوَلَمْ يُبَيِّن لَهُمْ إِهْلَاكنَا الْقُرُونَ الْخَالِيَة مِنْ قَبْلهمْ , سُنَّتنَا فِيمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ مِنَ الْكُفْر بِآيَاتِنَا , فَيَتَّعِظُوا وَيَنْزَجِرُوا , وَقَوْله { كَمْ } إِذَا قُرِئَ { يَهْدِ } بِالْيَاءِ , فِي مَوْضِع رَفْع بِيَهْدِ . وَأَمَّا إِذَا قُرِئَ ذَلِكَ بِالنُّونِ " أَوَلَمْ نَهْدِ " فَإِنَّ مَوْضِعَ " كَمْ " وَمَا بَعْدَهَا نَصْب , وَقَوْله : { يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنهمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَوَلَمْ يُبَيِّن لَهُنَّ كَثْرَة إِهْلَاكنَا الْقُرُونَ الْمَاضِيَةَ مِنْ قَبْلهمْ يَمْشُونَ فِي بِلَادهمْ وَأَرْضهمْ , كَعَادٍ وَثَمُود . كَمَا : 21564 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلهمْ مِنَ الْقُرُون } عَاد وَثَمُود وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ .

وَقَوْله : { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَات } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ فِي خَلَاء مَسَاكِن الْقُرُون الَّذِينَ أَهْلَكْنَاهُمْ مِنْ قَبْل هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ بِآيَاتِ اللَّه مِنْ قُرَيْش مِنْ أَهْلهَا الَّذِينَ كَانُوا سُكَّانهَا وَعُمَّارهَا بِإِهْلَاكِنَا إِيَّاهُمْ لَمَّا كَذَّبُوا رُسُلنَا , وَجَحَدُوا بِآيَاتِنَا , وَعَبَدُوا مِنْ دُون اللَّه آلِهَة غَيْرَهُ الَّتِي يَمُرُّونَ بِهَا فَيُعَايِنُونَهَا , لَآيَات لَهُمْ وَعِظَات يَتَّعِظُونَ بِهَا , لَوْ كَانُوا أُولِي حِجًا وَعُقُول .


يَقُول اللَّه : { أَفَلَا يَسْمَعُونَ } عِظَات اللَّه وَتَذْكِيرَهُ إِيَّاهُمْ آيَاته , وَتَعْرِيفهمْ مَوَاضِع حُجَجه ؟
أو لم يتبين لهؤلاء المكذبين للرسول: كم أهلكنا من قبلهم من الأم السابقة يمشون في مساكنهم, فيشاهدونها عيانا كقوم هود وصالح ولوط؟ إن في ذلك لآيات وعظات يستدل بها على صدق الرسل التي جاءتهم, وبطلان ما هم عليه من الشرك, أفلا يسمع هؤلاء المكذبون بالرسل مواعظ الله وحججه, فينتفعون بها؟
أولم يتبين لهؤلاء المكذبين للرسول: كم أهلكنا من قبلهم من الأمم السابقة يمشون في مساكنهم، فيشاهدونها عِيانًا كقوم هود وصالح ولوط؟ إن في ذلك لآيات وعظات يُستدَلُّ بها على صدق الرسل التي جاءتهم، وبطلان ما هم عليه من الشرك، أفلا يسمع هؤلاء المكذبون بالرسل مواعظ الله وحججه، فينتفعون بها؟
"أَوَ لَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلهمْ" أَيْ يَتَبَيَّن لِكُفَّارِ مَكَّة إهْلَاكنَا كَثِيرًا "مِنْ الْقُرُون" الْأُمَم بِكُفْرِهِمْ "يَمْشُونَ" حَال مِنْ ضَمِير لَهُمْ "فِي مَسَاكِنهمْ" فِي أَسْفَارهمْ إلَى الشَّام وَغَيْرهَا فَيَعْتَبِرُوا "إنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَات" دَلَالَات عَلَى قُدْرَتنَا "أَفَلَا يَسْمَعُونَ" سَمَاع تَدَبُّر وَاتِّعَاظ
يَقُول تَعَالَى أَوَلَمْ يَهْدِ لِهَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ بِالرُّسُلِ مَا أَهْلَكَ اللَّه قَبْلهمْ مِنْ الْأُمَم الْمَاضِيَة بِتَكْذِيبِهِمْ الرُّسُل وَمُخَالَفَتهمْ إِيَّاهُمْ فِيمَا جَاءُوهُمْ بِهِ مِنْ قَوِيم السُّبُل فَلَمْ يُبْقِ مِنْهُمْ مِنْ بَاقِيَة وَلَا عَيْن وَلَا أَثَر" هَلْ تُحِسّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَد أَوْ تَسْمَع لَهُمْ رِكْزًا " وَلِهَذَا قَالَ " يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنهمْ " أَيْ وَهَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبُونَ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِن أُولَئِكَ الْمُكَذِّبِينَ فَلَا يَرَوْنَ فِيهَا أَحَدًا مِمَّنْ كَانَ يَسْكُنهَا وَيَعْمُرهَا ذَهَبُوا مِنْهَا " كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا " كَمَا قَالَ " فَتِلْكَ بُيُوتهمْ خَاوِيَة بِمَا ظَلَمُوا " وَقَالَ " وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَة أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَة فَهِيَ خَاوِيَة عَلَى عُرُوشهَا وَبِئْر مُعَطَّلَة وَقَصْر مَشِيد أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْض - إِلَى قَوْله - وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوب الَّتِي فِي الصُّدُور " وَلِهَذَا قَالَ هَهُنَا" إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ " أَيْ إِنَّ فِي ذَهَاب أُولَئِكَ الْقَوْم وَدَمَارهمْ وَمَا حَلَّ بِهِمْ بِسَبَبِ تَكْذِيبهمْ الرُّسُل وَنَجَاة مَنْ آمَنَ بِهِمْ لَآيَاتٍ وَعِبَرًا وَمَوَاعِظ وَدَلَائِل مُتَنَاظِرَة" أَفَلَا يَسْمَعُونَ " أَيْ أَخْبَار مَنْ تَقَدَّمَ كَيْف كَانَ أَمْرهمْ.
وَقَرَأَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَن السُّلَمِيّ وَقَتَادَة وَأَبُو زَيْد عَنْ يَعْقُوب " نَهْدِ لَهُمْ " بِالنُّونِ ; فَهَذِهِ قِرَاءَة بَيِّنَة . النَّحَّاس : وَبِالْيَاءِ فِيهَا إِشْكَال ; لِأَنَّهُ يُقَال : الْفِعْل لَا يَخْلُو مِنْ فَاعِل , فَأَيْنَ الْفَاعِل ل " يَهْدِ " ؟ فَتَكَلَّمَ النَّحْوِيُّونَ فِي هَذَا ; فَقَالَ الْفَرَّاء : " كَمْ " فِي مَوْضِع رَفْع ب " يَهْدِ " وَهَذَا نَقْض لِأُصُولِ النَّحْوِيِّينَ فِي قَوْلهمْ : إِنَّ الِاسْتِفْهَام لَا يَعْمَل فِيهِ مَا قَبْله وَلَا فِي " كَمْ " بِوَجْهٍ ; أَعْنِي مَا قَبْلهَا . وَمَذْهَب أَبِي الْعَبَّاس أَنَّ " يَهْدِ " يَدُلّ عَلَى الْهُدَى ; وَالْمَعْنَى أَوَ لَمْ يَهْدِ لَهُمْ الْهُدَى . وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَوَ لَمْ يَهْدِ اللَّه لَهُمْ ; فَيَكُون مَعْنَى الْيَاء وَالنُّون وَاحِدًا ; أَيْ أَوَ لَمْ نُبَيِّن لَهُمْ إِهْلَاكنَا الْقُرُون الْكَافِرَة مِنْ قَبْلهمْ . وَقَالَ الزَّجَّاج : " كَمْ " فِي مَوْضِع نَصْب ب " أَهْلَكْنَا " . " يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنهمْ " يَحْتَمِل الضَّمِير فِي " يَمْشُونَ " أَنْ يَعُود عَلَى الْمَاشِينَ فِي مَسَاكِن الْمُهْلَكِينَ ; أَيْ وَهَؤُلَاءِ يَمْشُونَ وَلَا يَعْتَبِرُونَ . وَيَحْتَمِل أَنْ يَعُود عَلَى الْمُهْلَكِينَ فَيَكُون حَالًا ; وَالْمَعْنَى : أَهْلَكْنَاهُمْ مَاشِينَ فِي مَسَاكِنهمْ .

آيَات اللَّه وَعِظَاته فَيَتَّعِظُونَ .
مشاركة الموضوع