تفسير الطبري

سورة الروم الآية ٢٥

وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦٓ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلْأَرْضُ بِأَمْرِهِۦ ۚ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةًۭ مِّنَ ٱلْأَرْضِ إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ ﴿٢٥﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْ آيَاته أَنْ تَقُوم السَّمَاء وَالْأَرْض بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَة مِنْ الْأَرْض إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمِنْ حُجَجه أَيّهَا الْقَوْم عَلَى قُدْرَته عَلَى مَا يَشَاء , قِيَام السَّمَاء وَالْأَرْض بِأَمْرِهِ خُضُوعًا لَهُ بِالطَّاعَةِ بِغَيْرِ عَمْد تَرَى { ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَة مِنْ الْأَرْض إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ } يَقُول : إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ مِنْ الْأَرْض , إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَة مُسْتَجِيبِينَ لِدَعْوَتِهِ إِيَّاكُمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21271 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَمِنْ آيَاته أَنْ تَقُوم السَّمَاء وَالْأَرْض بِأَمْرِهِ } قَامَتَا بِأَمْرِهِ بِغَيْرِ عَمْد { ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَة مِنْ الْأَرْض إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ } قَالَ : دَعَاهُمْ فَخَرَجُوا مِنْ الْأَرْض . 21272 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول , فِي قَوْله : { إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ } يَقُول : مِنْ الْأَرْض .
ومن آياته الدالة على قدرته قيام الماء والأرض واستقرارهما وثباتهما بأمره, فلم تتزلزلا, ولم تسقط السماء على الأرض, ثم إذا دعاكم الله إلى البعث يوم القيامة, إذا أنتم تخرجون من القبور مسرعين.
ومن آياته الدالة على قدرته قيام السماء والأرض واستقرارهما وثباتهما بأمره، فلم تتزلزلا ولم تسقط السماء على الأرض، ثم إذا دعاكم الله إلى البعث يوم القيامة، إذا أنتم تخرجون من القبور مسرعين.
"وَمِنْ آيَاته أَنْ تَقُوم السَّمَاء وَالْأَرْض بِأَمْرِهِ" بِإِرَادَتِهِ مِنْ غَيْر عَمْد "ثُمَّ إذَا دَعَاكُمْ دَعْوَة مِنْ الْأَرْض" بِأَنْ يَنْفُخ إسْرَافِيل فِي الصُّور لِلْبَعْثِ مِنْ الْقُبُور "إذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ" مِنْهَا أَحْيَاء فَخُرُوجكُمْ مِنْهَا بِدَعْوَةٍ مِنْ آيَاته تَعَالَى
قَالَ تَعَالَى " وَمِنْ آيَاته أَنْ تَقُوم السَّمَاء وَالْأَرْض بِأَمْرِهِ" كَقَوْلِهِ تَعَالَى " وَيُمْسِك السَّمَاء أَنْ تَقَع عَلَى الْأَرْض إِلَّا بِإِذْنِهِ " وَقَوْله " إِنَّ اللَّه يُمْسِك السَّمَاوَات وَالْأَرْض أَنْ تَزُولَا " وَكَانَ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ إِذَا اِجْتَهَدَ فِي الْيَمِين قَالَ : وَاَلَّذِي تَقُوم السَّمَاء وَالْأَرْض بِأَمْرِهِ أَيْ هِيَ قَائِمَة ثَابِتَة بِأَمْرِهِ لَهَا وَتَسْخِيره إِيَّاهَا ثُمَّ إِذَا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة بُدِّلَتْ الْأَرْض غَيْر الْأَرْض وَالسَّمَاوَات وَخَرَجَتْ الْأَمْوَات مِنْ قُبُورهَا أَحْيَاء بِأَمْرِهِ تَعَالَى وَدُعَائِهِ إِيَّاهُمْ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى " ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَة مِنْ الْأَرْض إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ " أَيْ مِنْ الْأَرْض كَمَا قَالَ تَعَالَى " يَوْم يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا " وَقَالَ تَعَالَى " فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَة وَاحِدَة فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ " وَقَالَ تَعَالَى " إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَة وَاحِدَة فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ " .
" إِنَّ " فِي مَحَلّ رَفْع كَمَا تَقَدَّمَ ; أَيْ قِيَامهَا وَاسْتِمْسَاكهَا بِقُدْرَتِهِ بِلَا عَمَد . وَقِيلَ : بِتَدْبِيرِهِ وَحِكْمَته ; أَيْ يُمْسِكهَا بِغَيْرِ عَمْد لِمَنَافِعِ الْخَلْق . وَقِيلَ : " بِأَمْرِهِ " بِإِذْنِهِ ; وَالْمَعْنَى وَاحِد . " ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَة مِنْ الْأَرْض إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ " أَيْ الَّذِي فَعَلَ هَذِهِ الْأَشْيَاء قَادِر عَلَى أَنْ يَبْعَثكُمْ مِنْ قُبُوركُمْ ; وَالْمُرَاد سُرْعَة وُجُود ذَلِكَ مِنْ غَيْر تَوَقُّف وَلَا تَلْبَث ; كَمَا يُجِيب الدَّاعِي الْمُطَاع مَدْعُوّهُ ; كَمَا قَالَ الْقَائِل : دَعَوْت كُلَيْبًا بِاسْمِهِ فَكَأَنَّمَا دَعَوْت بِرَأْسِ الطَّوْد أَوْ هُوَ أَسْرَع يُرِيد بِرَأْسِ الطَّوْد : الصَّدَى أَوْ الْحَجَر إِذَا تَدَهْدَهَ . وَإِنَّمَا عُطِفَ هَذَا عَلَى قِيَام السَّمَوَات وَالْأَرْض بِ " ثُمَّ " لِعِظَمِ مَا يَكُون مِنْ ذَلِكَ الْأَمْر وَاقْتِدَاره عَلَى مِثْله , وَهُوَ أَنْ يَقُول : يَا أَهْل الْقُبُور قُومُوا ; فَلَا تَبْقَى نَسَمَة مِنْ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ إِلَّا قَامَتْ تَنْظُر ; كَمَا قَالَ تَعَالَى : " ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَام يَنْظُرُونَ " [ الزُّمَر : 68 ] . " وَإِذَا " الْأُولَى فِي قَوْله تَعَالَى : " إِذَا دَعَاكُمْ " لِلشَّرْطِ , وَالثَّانِيَة فِي قَوْله تَعَالَى : " إِذَا أَنْتُمْ " لِلْمُفَاجَأَةِ , وَهِيَ تَنُوب مَنَاب الْفَاء فِي جَوَاب الشَّرْط . وَأَجْمَعَ الْقُرَّاء عَلَى فَتْح التَّاء هُنَا فِي " تَخْرُجُونَ " . وَاخْتَلَفُوا فِي الَّتِي فِي " الْأَعْرَاف " فَقَرَأَ أَهْل الْمَدِينَة : " وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ " [ الْأَعْرَاف : 25 ] بِضَمِّ التَّاء , وَقَرَأَ أَهْل الْعِرَاق : بِالْفَتْحِ , وَإِلَيْهِ يَمِيل أَبُو عُبَيْد . وَالْمَعْنَيَانِ مُتَقَارِبَانِ , إِلَّا أَنَّ أَهْل الْمَدِينَة فَرَّقُوا بَيْنهمَا لِنَسَقِ الْكَلَام , فَنَسَق الْكَلَام فِي الَّتِي فِي " الْأَعْرَاف " بِالضَّمِّ أَشْبَه ; إِذْ كَانَ الْمَوْت لَيْسَ مِنْ فِعْلهمْ , وَكَذَا الْإِخْرَاج . وَالْفَتْح فِي سُورَة الرُّوم أَشْبَه بِنَسَقِ الْكَلَام ; أَيْ إِذَا دَعَاكُمْ خَرَجْتُمْ أَيْ أَطَعْتُمْ ; فَالْفِعْل بِهِمْ أَشْبَه . وَهَذَا الْخُرُوج إِنَّمَا هُوَ عِنْد نَفْخَة إِسْرَافِيل النَّفْخَة الْآخِرَة ; عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَيَأْتِي . وَقُرِئَ " تُخْرَجُونَ " بِضَمِّ التَّاء وَفَتْحهَا , ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيّ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا شَيْئًا , وَلَمْ يَذْكُر مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْفَرْق , وَاَللَّه أَعْلَم .
مشاركة الموضوع