تفسير الطبري

سورة آل عمران الآية ٥٨

ذَٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ ٱلْءَايَٰتِ وَٱلذِّكْرِ ٱلْحَكِيمِ ﴿٥٨﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْك مِنْ الْآيَات وَالذِّكْر الْحَكِيم } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ذَلِكَ هَذِهِ الْأَنْبَاء الَّتِي أَنْبَأَ بِهَا نَبِيّه عَنْ عِيسَى وَأُمّه مَرْيَم , وَأُمّهَا حَنَّة , وَزَكَرِيَّا وَابْنه يَحْيَى , وَمَا قَصَّ مِنْ أَمْر الْحَوَارِيِّينَ , وَالْيَهُود مِنْ بَنَى إِسْرَائِيل ; نَتْلُوهَا عَلَيْك يَا مُحَمَّد , يَقُول : نَقْرَؤُهَا عَلَيْك يَا مُحَمَّد , عَلَى لِسَان جِبْرِيل , بِوَحْيِنَاهَا إِلَيْك { مِنْ الْآيَات } يَقُول : مِنْ الْعِبَر وَالْحُجَج , عَلَى مَنْ حَاجَّك مِنْ وَفْد نَصَارَى نَجْرَان وَيَهُود بَنِي إِسْرَائِيل , الَّذِينَ كَذَّبُوك , وَكَذَّبُوا مَا جِئْتهمْ بِهِ مِنْ الْحَقّ مِنْ عِنْدِي . { وَالذِّكْر } يَعْنِي : وَالْقُرْآن { الْحَكِيم } يَعْنِي : ذِي الْحِكْمَة الْفَاصِلَة بَيْن الْحَقّ وَالْبَاطِل , وَبَيْنك وَبَيْن نَاسِبِي الْمَسِيح إِلَى غَيْر نَسَبه . كَمَا : 5643 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر : { ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْك مِنْ الْآيَات وَالذِّكْر الْحَكِيم } الْقَاطِع الْفَاصِل الْحَقّ , الَّذِي لَمْ يَخْلِطهُ الْبَاطِل مِنْ الْخَبَر عَنْ عِيسَى , وَعَمَّا اِخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ أَمْره , فَلَا تَقْبَلَنَّ خَبَرًا غَيْره . 5644 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو زُهَيْر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْك مِنْ الْآيَات وَالذِّكْر الْحَكِيم } قَالَ : الْقُرْآن . 5645 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس قَوْله : { وَالذِّكْر } يَقُول : الْقُرْآن الْحَكِيم الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي حِكْمَته .
وقوله تعالى " ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ " الآية.
أي: هذا القرآن العظيم, الذي فيه نبأ الأولين والآخرين, والأنبياء والمرسلين - هو آيات الله البينات, وهو الذي يذكر العباد كل ما يحتاجونه, وهو الحكيم المحكم, صادق الأخبار, حسن الأحكام.
ذلك الذي نقصُّه عليك في شأن عيسى، من الدلائل الواضحة على صحة رسالتك، وصحة القرآن الحكيم الذي يفصل بين الحق والباطل، فلا شك فيه ولا امتراء.
"ذَلِكَ" الْمَذْكُور مِنْ أَمْر عِيسَى "نَتْلُوهُ" نَقُصّهُ "عَلَيْك" يَا مُحَمَّد "مِنْ الْآيَات" حَال مِنْ الْهَاء فِي نَتْلُوهُ وَعَامِله مَا فِي ذَلِكَ مِنْ مَعْنَى الْإِشَارَة "وَالذِّكْر الْحَكِيم" الْمُحْكَم أَيْ الْقُرْآن
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى " ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْك مِنْ الْآيَات وَالذِّكْر الْحَكِيم " أَيْ هَذَا الَّذِي قَصَصْنَا عَلَيْك يَا مُحَمَّد فِي أَمْر عِيسَى وَمَبْدَأ مِيلَاده وَكَيْفِيَّة أَمْره هُوَ مِمَّا قَالَهُ تَعَالَى وَأَوْحَاهُ إِلَيْك وَنَزَّلَهُ عَلَيْك مِنْ اللَّوْح الْمَحْفُوظ فَلَا مِرْيَة فِيهِ وَلَا شَكّ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة مَرْيَم " ذَلِكَ عِيسَى اِبْن مَرْيَم قَوْل الْحَقّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذ مِنْ وَلَد سُبْحَانه إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُول لَهُ كُنْ فَيَكُون " وَهَهُنَا قَالَ تَعَالَى : " إِنَّ مَثَل عِيسَى عِنْد اللَّه كَمَثَلِ آدَم خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون " .
" ذَلِكَ " فِي مَوْضِع رَفْع بِالِابْتِدَاءِ وَخَبَره " نَتْلُوهُ " . وَيَجُوز : الْأَمْر ذَلِكَ , عَلَى إِضْمَار الْمُبْتَدَأ .
مشاركة الموضوع