تفسير الطبري

سورة آل عمران الآية ١٣٦

أُو۟لَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌۭ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّٰتٌۭ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا ۚ وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَٰمِلِينَ ﴿١٣٦﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَة مِنْ رَبّهمْ وَجَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْر الْعَامِلِينَ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : أُولَئِكَ الَّذِينَ ذَكَرَ أَنَّهُ أَعَدَّ لَهُمْ الْجَنَّة الَّتِي عَرْضهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض مِنْ الْمُتَّقِينَ , وَوَصَفَهُمْ بِهِ , ثُمَّ قَالَ : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هَذِهِ صِفَتهمْ { جَزَاؤُهُمْ } يَعْنِي ثَوَابهمْ مِنْ أَعْمَالهمْ الَّتِي وَصَفَهُمْ تَعَالَى ذِكْره أَنَّهُمْ عَمِلُوهَا , { مَغْفِرَة مِنْ رَبّهمْ } يَقُول : عَفْو لَهُمْ مِنْ اللَّه عَنْ عُقُوبَتهمْ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ ذُنُوبهمْ , وَلَهُمْ عَلَى مَا أَطَاعُوا اللَّه فِيهِ مِنْ أَعْمَالهمْ بِالْحُسْنِ مِنْهَا جَنَّات , وَهِيَ الْبَسَاتِين { تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار } يَقُول : تَجْرِي خِلَال أَشْجَارهَا الْأَنْهَار , وَفِي أَسَافِلهَا جَزَاء لَهُمْ عَلَى صَالِح أَعْمَالهمْ , { خَالِدِينَ فِيهَا } يَعْنِي دَائِمِي الْمُقَام فِي هَذِهِ الْجَنَّات الَّتِي وَصَفَهَا , { وَنِعْمَ أَجْر الْعَامِلِينَ } يَعْنِي وَنِعْمَ جَزَاء الْعَامِلِينَ لِلَّهِ الْجَنَّات الَّتِي وَصَفَهَا كَمَا : 6240 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَة مِنْ رَبّهمْ وَجَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْر الْعَامِلِينَ } أَيْ ثَوَاب الْمُطِيعِينَ .
" أُولَئِكَ " الموصوفون بتلك الصفات " جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ " تزيل عنهم كل محذور.
" وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ " فيها من النعيم المقيم, والبهجة والحبور والبهاء, والخير والسرور, والقصور, والمنازل الأنيقة العاليات, والأشجار المثمرة البهية, والأنهار الجاريات في تلك المساكن الطيبات.
" خَالِدِينَ فِيهَا " لا يحولون عنها, ولا يبغون بها بدلا, ولا يغير ما هم فيه من النعيم.
" وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ " عملوا لله قليلا فأجروا كثيرا فـ " عند الصباح يحمد القوم السري " وعند الجزاء يجد العامل أجره كاملا موفرا.
وهذه الآيات الكريمات, من أدلة أهل السنة والجماعة, على أن الأعمال تدخل في الإيمان, خلافا للمرجئة.
وجه الدلالة إنما يتم بذكر الآية, التي في سورة الحديد, نظير هذه الآيات وهي قوله: " سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ " فلم يذكر فيها إلا لفظ الإيمان به وبرسله, وهناك قال " أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ " .
ثم وصف المتقين, بهذه الأعمال المالية والبدنية.
فدل على أن هؤلاء المتقين الموصوفين بهذه الصفات, هم أولئك المؤمنون.
أولئك الموصوفون بتلك الصفات العظيمة جزاؤهم أن يستر الله ذنوبهم، ولهم جنات تجري من تحت أشجارها وقصورها المياه العذبة، خالدين فيها لا يخرجون منها أبدًا. ونِعْمَ أجر العاملين المغفرة والجنة.
"أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَة مِنْ رَبّهمْ وَجَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار خَالِدِينَ فِيهَا" حَال مُقَدَّرَة أَيْ مُقَدَّرِينَ الْخُلُود فِيهَا إذَا دَخَلُوهَا "وَنِعْمَ أَجْر الْعَامِلِينَ" بِالطَّاعَةِ هَذَا الْأَجْر
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى بَعْد وَصْفهمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ " أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَة مِنْ رَبّهمْ " أَيْ جَزَاؤُهُمْ عَلَى هَذِهِ الصِّفَات " مَغْفِرَة مِنْ رَبّهمْ وَجَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار " أَيْ مِنْ أَنْوَاع الْمَشْرُوبَات " خَالِدِينَ فِيهَا " أَيْ مَاكِثِينَ فِيهَا " وَنِعْمَ أَجْر الْعَامِلِينَ " يَمْدَح تَعَالَى الْجَنَّة .
رَتَّبَ تَعَالَى بِفَضْلِهِ وَكَرَمه غُفْرَان الذُّنُوب لِمَنْ أَخْلَصَ فِي تَوْبَته وَلَمْ يُصِرّ عَلَى ذَنْبه . وَيُمْكِن أَنْ يَتَّصِل هَذَا بِقِصَّةِ أُحُد , أَيْ مَنْ فَرَّ ثُمَّ تَابَ وَلَمْ يُصِرَّ فَلَهُ مَغْفِرَة اللَّه .
مشاركة الموضوع