تفسير الطبري

سورة العنكبوت الآية ٣٧

فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دَارِهِمْ جَٰثِمِينَ ﴿٣٧﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَة فَأَصْبَحُوا فِي دَارهمْ جَاثِمِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَكَذَّبَ أَهْلُ مَدْيَن شُعَيْبًا فِيمَا أَتَاهُمْ بِهِ عَنْ اللَّه مِنْ الرِّسَالَة , فَأَخَذَتْهُمْ رَجْفَة الْعَذَاب فَأَصْبَحُوا فِي دَارهمْ جَاثِمِينَ جُثُومًا , بَعْضهمْ عَلَى بَعْض مَوْتَى . كَمَا : 21140 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { فَأَصْبَحُوا فِي دَارهمْ جَاثِمِينَ } : أَيْ مَيِّتِينَ .
" فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ " أي عذاب اللّه " فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ " .
فكذَّب أهل "مدين" شعيبًا فيما جاءهم به عن الله من الرسالة، فأخذتهم الزلزلة الشديدة، فأصبحوا في دارهم صَرْعى هالكين.
"فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَة" الزَّلْزَلَة الشَّدِيدَة "فَأَصْبَحُوا فِي دَارهمْ جَاثِمِينَ" بَارِكِينِ عَلَى الرُّكَب مَيِّتِينَ
هَذَا مَعَ كُفْرهمْ بِاَللَّهِ وَرَسُوله فَأَهْلَكَهُمْ اللَّه بِرَجْفَةٍ عَظِيمَة زَلْزَلَتْ عَلَيْهِمْ بِلَادهمْ وَصَيْحَة أَخْرَجَتْ الْقُلُوب مِنْ حَنَاجِرهَا . وَعَذَاب يَوْم الظُّلَّة الَّذِي أَزْهَقَ الْأَرْوَاح مِنْ مُسْتَقَرّهَا إِنَّهُ كَانَ عَذَاب يَوْم عَظِيم وَقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَّتهمْ مَبْسُوطَة فِي سُورَة الْأَعْرَاف وَهُود وَالشُّعَرَاء وَقَوْله : " فَأَصْبَحُوا فِي دَارهمْ جَاثِمِينَ" قَالَ قَتَادَة مَيِّتِينَ . وَقَالَ غَيْره قَدْ أُلْقِيَ بَعْضهمْ عَلَى بَعْض .
" فَأَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَة " أَيْ الزَّلْزَلَة الشَّدِيدَة . وَقِيلَ : كَانَ صَيْحَة شَدِيدَة خَلَعَتْ قُلُوبهمْ ; يُقَال : رَجَفَ الشَّيْء يَرْجُف رَجْفًا رَجَفَانًا . وَأَرْجَفَتْ الرِّيح الشَّجَر حَرَّكَتْهُ . وَأَصْله حَرَكَة مَعَ صَوْت ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى " يَوْم تَرْجُف الرَّاجِفَة " [ النَّازِعَات : 6 ] قَالَ الشَّاعِر : وَلَمَّا رَأَيْت الْحَجّ قَدْ آنَ وَقْته وَظَلَّتْ مَطَايَا الْقَوْم بِالْقَوْمِ تَرْجُف


أَيْ بَلَدهمْ . وَقِيلَ : وُحِّدَ عَلَى طَرِيق الْجِنْس , وَالْمَعْنَى : فِي دُورهمْ . وَقَالَ فِي مَوْضِع آخَر : " فِي دِيَارهمْ " [ هُود : 67 ] أَيْ فِي مَنَازِلهمْ .


أَيْ لَاصِقِينَ بِالْأَرْضِ عَلَى رُكَبهمْ وَوُجُوههمْ ; كَمَا يَجْثُم الطَّائِر . أَيْ صَارُوا خَامِدِينَ مِنْ شِدَّة الْعَذَاب . وَأَصْل الْجُثُوم لِلْأَرْنَبِ وَشَبَههَا , وَالْمَوْضِع مُجَثَّم . قَالَ زُهَيْر : بِهَا الْعَيْن وَالْآرَام يَمْشِينَ خِلْفَة وَأَطْلَاؤُهَا يَنْهَضْنَ مِنْ كُلّ مَجْثَم
مشاركة الموضوع