تفسير الطبري

سورة النمل الآية ٥٧

فَأَنجَيْنَٰهُ وَأَهْلَهُۥٓ إِلَّا ٱمْرَأَتَهُۥ قَدَّرْنَٰهَا مِنَ ٱلْغَٰبِرِينَ ﴿٥٧﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْله إِلَّا اِمْرَأَته قَدَّرْنَاهَا مِنْ الْغَابِرِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَأَنْجَيْنَا لُوطًا وَأَهْله سِوَى اِمْرَأَته مِنْ عَذَابنَا حِين أَحْلَلْنَاهُ بِهِمْ , ثُمَّ { قَدَّرْنَاهَا } يَقُول : فَإِنَّ اِمْرَأَته قَدَّرْنَاهَا : جَعَلْنَاهَا بِتَقْدِيرِنَا { مِنْ الْغَابِرِينَ } مِنْ الْبَاقِينَ .
ولهذا قال تعالى: " فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ " وذلك لما جاءته الملائكة في صورة أضياف, وسمع بهم قومه, فجاءوا إليه يريدونهم بالشر, وأغلق الباب دونهم, واشتد الأمر عليه.
ثم أخبرته الملائكة عن جلية الحال, وأنهم جاءوا لاستنقاذه, من بين أظهرهم, وأنهم يريدون إهلاكهم, وأن موعدهم الصبح.
وأمروه أن يسري بأهله ليلا, إلا امرأته, فإنه سيصيبها ما أصابهم فخرج بأهله ليلا, فنجوا, وصبحهم العذاب.
فقلب الله عليهم ديارهم, وجعل أعلاها أسفلها, وأمطر عليهم حجارة من سجيل منضود, مسومة عند ربك.
فأنجينا لوطًا وأهله من العذاب الذي سيقع بقوم لوط، إلا امرأته قدَّرناها من الباقين في العذاب حتى تهلك مع الهالكين؛ لأنها كانت عونًا لقومها على أفعالهم القبيحة راضية بها.
"فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْله إلَّا امْرَأَته قَدَّرْنَاهَا" جَعَلْنَاهَا بِتَقْدِيرِنَا "مِنْ الْغَابِرِينَ" الْبَاقِينَ فِي الْعَذَاب
أَيْ مِنْ الْهَالِكِينَ مَعَ قَوْمهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ رِدْءًا لَهُمْ عَلَى دِينهمْ وَعَلَى طَرِيقَتهمْ فِي رِضَاهَا بِأَفْعَالِهِمْ الْقَبِيحَة فَكَانَتْ تَدُلّ قَوْمهَا عَلَى ضِيفَان لُوط لِيَأْتُوا إِلَيْهِمْ لَا أَنَّهَا كَانَتْ تَفْعَل الْفَوَاحِش تَكْرِمَة لِنَبِيِّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا كَرَامَة لَهَا .
فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْله إِلَّا اِمْرَأَته قَدَّرْنَاهَا مِنْ الْغَابِرِينَ " " مِنْ الْغَابِرِينَ " أَيْ الْبَاقِينَ فِي عَذَاب اللَّه ; قَالَ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة . غَبَرَ الشَّيْء إِذَا مَضَى , وَغَبَرَ إِذَا بَقِيَ . وَهُوَ مِنْ الْأَضْدَاد . وَقَالَ قَوْم : الْمَاضِي عَابِر بِالْعَيْنِ غَيْر مُعْجَمَة . وَالْبَاقِي غَابِر بِالْغَيْنِ مُعْجَمَة . حَكَاهُ اِبْن فَارِس فِي الْمُجْمَل . وَقَالَ الزَّجَّاج : " مِنْ الْغَابِرِينَ " أَيْ مِنْ الْغَائِبِينَ عَنْ النَّجَاة وَقِيلَ : لِطُولِ عُمْرهَا . قَالَ النَّحَّاس : وَأَبُو عُبَيْدَة يَذْهَب إِلَى أَنَّ الْمَعْنَى مِنْ الْمُعَمِّرِينَ ; أَيْ أَنَّهَا قَدْ هَرِمَتْ . وَالْأَكْثَر فِي اللُّغَة أَنْ يَكُون الْغَابِر الْبَاقِي ; قَالَ الرَّاجِز : فَمَا وَنَى مُحَمَّد مُذْ أَنْ غَفَرْ لَهُ الْإِلَه مَا مَضَى وَمَا غَبَرَ وَقَرَأَ عَاصِم : " قَدَرْنَا " مُخَفَّفًا وَالْمَعْنَى وَاحِد . يُقَال قَدْ قَدَرْت الشَّيْء قَدْرًا وَقَدَرًا وَقَدَّرْته .
مشاركة الموضوع