تفسير الطبري

سورة الشعراء الآية ٨

إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَةًۭ ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ ﴿٨﴾
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَة } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ فِي إِنْبَاتنَا فِي الْأَرْض مِنْ كُلّ زَوْج كَرِيم لَآيَة . يَقُول : لِدَلَالَةِ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الْمُكَذِّبِينَ بِالْبَعْثِ , عَلَى حَقِيقَته , وَأَنَّ الْقُدْرَة الَّتِي بِهَا أَنْبَتَ اللَّه فِي الْأَرْض ذَلِكَ النَّبَات بَعْد جَدُوبهَا , لَنْ يُعْجِزهُ أَنْ يُنْشَر بِهَا الْأَمْوَات بَعْد مَمَاتهمْ , أَحْيَاء مِنْ قُبُورهمْ .

وَقَوْله : { وَمَا كَانَ أَكْثَرهمْ مُؤْمِنِينَ } يَقُول : وَمَا كَانَ أَكْثَر هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ بِالْبَعْثِ , الْجَاحِدِينَ نُبُوَّتك يَا مُحَمَّد , بِمُصَدِّقِيك عَلَى مَا تَأْتِيهِمْ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه مِنْ الذِّكْر. يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَقَدْ سَبَقَ فِي عِلْمِي أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ , فَلَا يُؤْمِن بِك أَكْثَرهمْ لِلسَّابِقِ مِنْ عِلْمِي فِيهِمْ .
" إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً " على إحياء الله الموتى بعد موتهم, كما أحيا الأرض بعد موتها " وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ " كما قال تعالى " وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ " .
أكذبوا ولم ينظروا إلى الأرض التي أنبتنا فيها من كل نوع حسن نافع من النبات، لا يقدر على إنباته إلا رب العالمين؟ إن في إخراج النبات من الأرض لَدلالة واضحة على كمال قدرة الله، وما كان أكثر القوم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز على كل مخلوق، الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء.
"إنَّ فِي ذَلِك لَآيَة" دَلَالَة عَلَى كَمَال قُدْرَته تَعَالَى "وَمَا كَانَ أَكْثَرهمْ مُؤْمِنِينَ" فِي عِلْم اللَّه , وَكَانَ قَالَ سِيبَوَيْهِ : زَائِدَة
" إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَة " أَيْ دَلَالَة عَلَى قُدْرَة الْخَالِق لِلْأَشْيَاءِ الَّذِي بَسَطَ الْأَرْض وَرَفَعَ بِنَاء السَّمَاء وَمَعَ هَذَا مَا آمَنَ أَكْثَر النَّاس بَلْ كَذَّبُوا بِهِ وَبِرُسُلِهِ وَكُتُبه وَخَالَفُوا أَمْره وَارْتَكَبُوا نَهْيه .
أَيْ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ الْإِنْبَات فِي الْأَرْض لِدَلَالَتِهِ عَلَى أَنَّ اللَّه قَادِر , لَا يُعْجِزهُ شَيْء .



أَيْ مُصَدِّقِينَ لِمَا سَبَقَ مِنْ عِلْمِي فِيهِمْ . وَ " كَانَ " هُنَا صِلَة فِي قَوْل سِيبَوَيْهِ ; تَقْدِيره : وَمَا أَكْثَرهمْ مُؤْمِنِينَ .
مشاركة الموضوع